أمي عصبية وعندما تغضب تدعو عليّ، فكيف أتعامل معها؟

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

بارك الله فيكم.

أنا شابة، وأمي هي الشخص الوحيد لدي، وهي تفعل المستحيل من أجلنا، وأنا نادمة حقا، أردت أن أغيب عن مدرستي لأستدرك ما فاتني من الدروس، فلم تقبل والدتي، فلم أصغ لها، ودخلت معها في جدال؛ حاولت معها باللين، ثم ارتفع صوتي وقلت ما ندمت عليه، وخجلت من نفسي كيف لي أن أوجه لوالدتي كلاما كهذا.

فهل لي من توبة؟ مع العلم أنها دعت علي أن لا أفلح أبدا في الدنيا، وأنني قد حكمت على نفسي بالفشل في الامتحان المقبل، فهل دعاؤها نافذ لا محالة؟

ثانيا: أمي عصبية، وتفعل الآتي؛ عندما تغضب تبصق في وجهي (أعزكم الله) على أتفه الأسباب، وتعايرني بمرضي، وهي أعلم الناس بما أعاني منه، وإذا عايرني أحد بشيء أو جرحني بالكلام تدافع عني، لكنها لاحقا تعيد على مسمعي نفس قول من عايرني وتقول: (عنده حق).

فهل لي حق أن أغضب من تصرفاتها؟ وهل يحق لي أن أخاصمها دون كلام، أي أن أتجاهلها؟ وما الأشياء التي يجب علي أن أطيعها فيها؟ وهل لها حق أن تتحكم في كل شيء، مع العلم أنها تغضب غضبا شديدا حين لا تحصل على مبتغاها؟

أشعر أني ليس لدي شخصية، فكلما حاولت أن أتخذ قرارا يخالف قناعاتها، قالت إنني عاقة، وأنا أقدر خوفها، لكن كل شخص له قناعاته، وأنا لدي فكرة أود تنفيذها، فهل أنا مخطئة؟ أرجو منكم إفادتي، وسأتخلى عن تلك الفكرة بصدر رحب إن كنت على خطأ.

أعتقد أن كل إنسان له طريقته في العيش وأفكاره ومنظوره، فالإنسان ليس امتدادا لوالديه، إنما هو كيان مستقل، لكل إنسان الحق أن يعيش كما يريد، ما دام أن ما يفعله يرضي الله، وحق الوالدين قائم وواجب، لكنه لا ينفي حق الفرد في أن يجسد أفكاره حتى لو اختلف مع والديه، شريطة ألا يضرهما، فهل يعد السخط غير المبرر ضررا؟

بارك الله فيكم، أفيدوني بالجواب، فأنا في حيرة من أمري.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ سناء حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبا بك -أختنا الفاضلة- في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله أن يوفقنا وإياك لصالح القول والعمل.

أختي الكريمة، إن ما طرحته من تساؤلات حول علاقتك بوالدتك نابع بلا شك من حرص شديد على البر والإحسان، وشعور حي بالندم عند الخطأ، ورغبة في طاعة الله تعالى والالتزام بأمره، وهذا -بإذن الله- دليل خير في نفسك، وسعي محمود في طاعة ربك.

أختي الفاضلة، لا شك أن من البلاء أن يكون للابن والدين -أو أحدهما- يتصف بسوء الطباع، وجفاف المشاعر، وسرعة الغضب، وفي المقابل يكون الابن شديد الحرص على برهما وطاعتهما، لكن شخصية الوالدين أو أحدهما لا تعين الابن على البر، بل قد يوجد من بعض الآباء من يستغل هذا البر نتيجة جهل منهما، أو قلة خوف من الله، أو لخلل في أساليب التربية، وفي كل هذه الحالات، يجد الابن نفسه أمام صراع نفسي مستمر؛ لذا من أجل مواجهة هذا الأمر، لابد من إدراك أمور جوهرية نوضحها لك في مسارين:

المسار الأول: ضوابط الطاعة والبر.
أولا: الصبر على الابتلاء.
أختي الفاضلة، هذا الوضع يعد نوعا من الابتلاء بلا شك، وعلى كل شاب وفتاة إدراك أن هذا الاختبار يتطلب صبرا واحتسابا للأجر عند الله تعالى، والابن في ذلك مأجور على ما يلاقيه من شدة وعناء، بل سيكون له من الله معين وظهير ما دام يراقب الله في تعامله؛ فقد جاء في الحديث المشهور أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عنهم ويجهلون علي، فقال النبي ﷺ: لئن كان كما تقول لكأنما تسفهم المل، ولا يزال معك من الله ظهير ما دمت على ذلك.

فلا بد من الصبر والاحتساب، وطلب الأجر من الله تعالى، جاء في الحديث: ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب، ولا هم ولا حزن، ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه.

ثانيا: وجوب الطاعة بالمعروف.
أختي الفاضلة، طاعة الوالدين واجبة وصاحبها مأجور، والإحسان إليهما فريضة مهما كانت شدتهما أو ما يتصفان به من غلظة أو جفاء، لكنها ليست طاعة مطلقة بلا ضوابط، فالميزان هو قول رسول الله ﷺ: لا طاعة في معصية، إنما الطاعة في المعروف، ومن هذا الحديث يتضح أن للطاعة ضوابط شرعية:

- عدم المعصية: فلا تجوز طاعتهما إذا أمرا بترك واجب شرعي أو فعل محرم.
- وجود غرض صحيح: أن يكون للوالدين هدف معتبر فيما يأمران به، فإذا كان الأمر ناشئا عن مجرد "تعنت" أو هوى لإلحاق ضرر محقق بالابن، أو لم يكن لهما فيه غرض معتبر شرعا، فلا تجب الطاعة حينئذ.
- انتفاء الضرر: ألا يلحق بالولد ضرر فيما أمر به -سواء كان الضرر محققا غير متوهم في نفسه أو ماله أو حياته- فطاعة الوالدين تلزم فيما فيه منفعة لهما ولا ضرر فيه على الولد، فإذا شق الأمر على الولد لكنه لم يضره وجبت الطاعة، أما إن كان فيه ضرر حقيقي عليه فلا تجب.

ثالثا: المخالفة مع ملازمة الإحسان والبر.
كون أحد الوالدين يأمر بما فيه معصية أو مفسدة، فهذا يبيح للابن عدم الطاعة في هذا الموقف تحديدا، لكن هذا لا يعني الإساءة إليهما أو قطيعتهما، فهذا من العقوق المنهي عنه، فقد أمر الله تعالى بالإحسان للوالدين حتى وإن كانا يدعوان الابن لأعظم الذنوب وهو الكفر، فقال تعالى: {وإن جاهداك علىٰ أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما ۖ وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون}.

لاحظي -أختي الكريمة- قوله "جاهداك" أي بذلا غاية جهدهما في دعوتك للشرك، ومع ذلك أمر الله بعدم الطاعة في المعصية مع التأكيد على {وصاحبهما في الدنيا معروفا}؛ فعدم الطاعة في موقف معين لا يستلزم الشدة أو الغلظة أو المقاطعة.

رابعا: الحوار والمناقشة بالحسنى
إن حدثت مخالفة لأمرهما بالشروط التي تم توضيحها، فلا ينبغي للولد أن يغلظ في بيانها، أو يوغر صدورهما، أو يتجاوز الحدود إلى الطغيان والإساءة، بل عليه أن يلين الجانب في النصيحة، ويوضح لهما برفق سبب عدم قدرته على الطاعة في هذا الأمر؛ ففي هذا البيان كشف للجهل عنهما، فالرفق هو الأساس وحصول الرضا منها هو الغاية، وكما قال ﷺ: ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه.

المسار الثاني: كيفية التعامل مع الوالدين
أختي الكريمة، التعامل مع الوالدين ممن يتصفون بصعوبة المزاج والشدة يحتاج إلى حكمة بالغة، وإليك هذه التوجيهات:

الأول: فهم طبيعة تفكير الوالدة: هذا الفهم يساعدك بقوة على التكيف معها، فإن كثيرا من الآباء يعتمدون الشدة ظنا منهم أنها الوسيلة الوحيدة للتربية والزجر، ولا شك أن أسلوب القهر والسب والشتم أسلوب خاطئ تربويا، وقد يؤدي لهدم شخصية الأبناء، لكن إدراكك أن هذا نابع من "جهل بالأساليب" وليس "كرها لك" سيخفف من حدة ألمك، حاولي اختيار أوقات الصفاء والهدوء لمحاورتها بهدوء، وإخبارها بمدى أثر كلماتها القاسية على نفسك.

الثاني: ما في اللسان ليس دائما في القلب: يشتهر عند بعض الآباء سرعة الغضب والدعاء على الأبناء بلسانهم مع محبة عميقة في قلوبهم، وما ذكرته من أن أمك تعيرك بمرضك ثم تدافع عنك أمام الآخرين هو أكبر دليل على أن باطنها خلاف ظاهرها، ومع ذلك، فالشرع حذر من هذا المسلك؛ لقوله ﷺ: لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على خدمكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة نيل فيها عطاء فيستجاب لكم، كما أن العبارات المسموعة -حتى وإن لم تكن من القلب- فلها أثر عميق في النفس، وتأثير أعمق في الوجدان والشخصية.

الثالث: تجنب الجدال وقت الانفعال: في لحظات غضبها، التزمي الصمت تماما، ولا تدخلي في حوار أو مدافعة؛ لأن الجدال حينها يزيد المشكلة اشتعالا، ويدفعها لقول ما يؤلمك أكثر.

الرابع: المبالغة في الإحسان وقت الرخاء: في أوقات الوئام، بالغي في خدمتها وتقديم الهدايا لها، وأظهري لها الطاعة والتقدير، وأكثري من المدح لها ولما تفعله في سبيل راحتكم، فإذا اضطررت لاحقا لمخالفتها في أمر فيه مفسدة، فافعلي ذلك بطريقة حكيمة لا تظهر بمظهر المصادمة، بل تذرعي بأي عذر مقبول يمتص غضبها ويراعي مشاعرها.

الخامس: الاستعانة بالوسطاء: عند فشل محاولات الإقناع المباشرة، يمكنك الاستعانة بمن له مكانة عندها من محارمك، كالأخوال، أو الفاضلات من النساء الصالحات، ليشرحوا لها وجهة نظرك بأسلوب لا يسبب حساسية بينكما.

أختي الكريمة، إن عقوق الوالدين من الكبائر، والتوبة منه واجبة بالندم والإقلاع عنه والعزم على عدم العودة، وباب التوبة مفتوح، وفضل الله عظيم، فإذا صدقت في توبتك غفر الله ذنبك، وكفر عنك سيئاتك بفضله.

واعلمي -وفقك الله- أن دعوة الوالدين مستجابة كما في الحديث: ثلاث دعوات لا ترد: دعوة الوالد لولده، ودعوة الصائم، ودعوة المسافر، إلا إذا كانت الدعوة بظلم أو بغير حق فلا تقع بإذن الله، لحديث: ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم، ولا قطيعة رحم؛ إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث... فشرط الإجابة عدم وجود الإثم أو قطيعة رحم وما في حكمها، لكن على الابن أن يحذر من أن يكون سببا في استثارة غضبهما تعمدا وإساءة وهوى، فقد تصيبه دعوتهما فيهلك.

أختي الفاضلة، إن كراهيتك لتصرفات أمك "في قلبك" لا يؤاخذك الله بها ما دام هذا الكره لم يتحول إلى قطيعة أو رد قبيح؛ فالهجر والقطيعة لا يجوزان وهما من العقوق، والحل هو "الحوار الدائم" في أوقات الهدوء، فإن عجزت عن محاورتها فابحثي عن وسيط مؤثر، وإن أصرت على طلب يلحق بك ضررا أو فسادا يقينا، فلك أن تخالفي ذلك الطلب مع الالتزام التام ببرها والإحسان إليها في الجوانب الأخرى.

ختاما: يظهر من شخصية أمك الحرص الشديد عليك، وإن شاب هذا الحرص جهل بأساليب التربية، فهي تكدح وتجتهد لتوفير حياة كريمة لكم، وهذا نابع من حب ومجاهدة؛ فحقها عليك أن تقدري لها ذلك، ولا تجعلي لحظات الغضب تطغى على سنوات الإحسان، التمسي لها العذر، فقد تخفي وراء غضبها معاناة وكبتا لا تعلمين عنه شيئا، فكوني لها سندا وعونا.

أما بخصوص قراراتك الشخصية، فلك الحق في اتباع الطريق المناسب لك، لكن لا تتجاهلي حكمة الأبوين وخبرتهما في الحياة؛ فكثيرا ما يندفع الأبناء بسبب نقص الخبرة، ادرسي مخاوف والدتك بعناية، فقد يكون لديها مبرر مقنع غاب عنك إدراكه.

أختي الكريمة، وجود الوالدين نعمة، وبرهما أعظم أبواب الجنة والسعادة، فأكثري من الدعاء بأن يصلح الله ما بينكما، والزمي الصبر والاحتساب، واشغلي نفسك بأهداف سامية، كحفظ القرآن، وطلب العلم، والأعمال النافعة؛ لكي تخرجي من دائرة التوتر النفسي وتعيشي حياتك بتوازن بعيدا عن القلق.

وفقك الله، ويسر أمرك، وأعانك على بر والدتك.

مواد ذات صلة

الاستشارات