السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أنا أب أعيش في دولة قطر، ولدي ثلاثة أبناء في مراحل عمرية مختلفة، في الفترة الأخيرة، ومع كثرة الأخبار المتداولة عن التوتر والحرب المحتملة بين إيران وأمريكا، بدأت ألاحظ تغيرا واضحا على أبنائي.
لقد صاروا يتابعون الأخبار من هنا وهناك، سواء من التلفاز أو من الهاتف أو من كلام الناس، وبدأ الخوف يدخل إلى قلوبهم، أحد أبنائي يسألني بشكل متكرر: هل يمكن أن تحدث حرب عندنا؟ والآخر صار يقلق من النوم أحيانا، ويخاف أن يحدث شيء مفاجئ، حتى ابني الصغير بدأ يردد كلمات عن الحرب، دون أن يفهم معناها بالكامل.
بصراحة: أنا وزوجتي نشعر بالحيرة، كيف نتصرف؟ هل نمنع عنهم الأخبار تماما؟ أم نوضح لهم الحقيقة؟ وكيف نوازن بين رغبتنا في طمأنتهم، وبين وجوب عدم الكذب عليهم؟ نحن نخاف عليهم من القلق، وفي نفس الوقت نريد أن نربيهم تربية صحيحة، قائمة على الثقة بالله، والوعي، وعدم الهلع.
نحاول أن نطمئنهم، ونذكرهم بأن الله هو الحافظ، لكن نشعر أن الأمر يحتاج إلى أسلوب تربوي أفضل، خاصة في هذا الزمن الذي تصل فيه الأخبار بسرعة، ويصعب عزل الأطفال عنها.
سؤالي: كيف يتعامل الوالدان مع خوف الأبناء من الحروب والأحداث العالمية؟ وما هي الطريقة الصحيحة لتوعيتهم، دون أن نزرع فيهم الخوف أو القلق؟ وكيف يمكن أن نستثمر مثل هذه المواقف في تربيتهم على الإيمان، والطمأنينة، وقوة الشخصية؟
جزاكم الله خيرا، ونفع بكم.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ عبد الرحمن حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
فبداية: مرحبا بكم في موقعكم، ونشكر لكم الاهتمام وحسن العرض للسؤال، ونسأل الله أن يحفظ البلاد والعباد، وأن يجمع كلمة المسلمين على الحق والدين، هو ولي ذلك والقادر عليه.
نحب بداية أن نشكر قيادتنا الرشيدة في دولة قطر، على حسن إدارتها للأزمة، ونسأل الله -تبارك وتعالى- أن يحفظ قادة هذا البلد والمواطنين والمقيمين، وأن يحفظ بلاد المسلمين.
ونحيي السعي الدؤوب من إدارات الدولة ووزاراتها المختلفة، في عمل كل ما يجلب الطمأنينة والأمان، ونذكر المواطنين والمقيمين على هذه الأرض الطيبة بأهمية الالتزام بالتوجيهات الرسمية، ونؤكد أن الالتزام بالتوجيهات التي تصدرها الدولة هي من طاعة ولي الأمر، التي أمرنا بها شرعا، وفيها تحقيق الأمان والطمأنينة، بعد حفظ رب البرية سبحانه.
ونحب أن نؤكد على نقاط مهمة:
أولها: ربط الأبناء بالله الحفيظ، وإظهار الثبات من قبل الآباء والأمهات والكبار؛ لأن الصلابة النفسية التي يظهرها الآباء، تكون عند الصغار مناعة نفسية، تحميهم -بحول الله وقوته- من هذه الأحداث ومما يليها، وتحميهم في مستقبلهم، فتكون لديهم مناعة نفسية، والإيمان للإنسان كالمناعة للأبدان.
ثانيا: لا بد أيضا من تربيتهم على كثرة اللجوء إلى الله؛ فلا يرد القضاء إلا الدعاء، والمتوجه إلى الله رابح في كل أحواله؛ لأن المسلم إذا توجه إلى ربه، إما أن يستجيب الله دعوته، وإما أن يدفع عنه من الشر والبلاء مثلها، وإما أن يدخر له من الثواب مثلها؛ فالمسلم بتوجهه إلى الله رابح في كل أحواله.
ثالثا: لا بد من القرب من الأبناء، مشاركتهم في ألعابهم، والحرص على تداول الأخبار الإيجابية فقط، والالتزام بالتوجيهات الشرعية والرسمية؛ فالشريعة تدعونا إلى التثبت {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا}، وأيضا ولاة الأمر وجهونا باستقاء الأخبار من مصادرها الصحيحة، ولا يجوز نشر الأخبار بمجرد سماعها، وقد حذر القرآن من سلوك تصرفات أهل الإرجاف، فقال سبحانه في شأنهم: {وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به}، وهذا سلوك مرفوض، والمطلوب: {ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم}؛ فالمؤمن يرد الأخبار إلى جهات الاختصاص، وبعد ذلك هي التي ترى أيها الصادق وأيها الكاذب، وأي الأخبار تستحق النشر وأيها لا يستحق أن ينشر، وتزداد أهمية هذا التوجيه الشرعي -وهو توجيه رسمي أيضا- في زمن الذكاء الاصطناعي، في زمن الأخبار المصطنعة الكاذبة.
رابعا: عند الإجابة على أسئلة الأطفال، لا بد من مراعاة فئاتهم العمرية، وإعطاء معلومات صحيحة في كل الأحوال، لكن لا بد أن تكون المعلومة مناسبة لعمر الصغير، والحرص على احتضان الصغار قبل الإجابة على أسئلتهم، إذا شعرنا أنها توحي بخوف أو قلق أو اضطراب، ونفتح أبواب الحوار مع أبنائنا في مرحلة المراهقة، ونشعرهم بقدرتهم على القيام بأدوار إيجابية؛ فالمسلم مطالب بأن يفعل الأسباب، ثم يتوكل على الكريم الوهاب سبحانه وتعالى.
خامسا: علينا أيضا زرع الثقة في نفوسهم، وذلك بتحريك كوامن الإيمان، وأيضا حثهم وحضهم على الصلاة، التي كان النبي ﷺ إذا حزبه أمر واشتد به حال فزع إلى الصلاة، وكذلك كان السلف يتأولون قول الله: {واستعينوا بالصبر والصلاة}، المداومة على الصلاة والذكر والدعاء، والصدقة وفعل الخير؛ فصنائع المعروف تقي مصارع السوء، ودولة قطر -حفظها الله تبارك وتعالى- من أسرار حفظ الله لها، هذه الأيادي البيضاء الممتدة، والخير الذي اعتاد أهل هذا البلد أن يبذلوه لإخوانهم، في مشارق الأرض ومغاربها.
سادسا: كذلك أيضا من المهم المحافظة على روتين الحياة اليومي، والمحافظة على نفس النمط الذي كنا عليه، والتذكير بأننا لسنا وحدنا؛ فلنا أرحام ولنا آباء وأعمام وأخوال وجيران، ونذكر بأخوة الإيمان، وهذا هو الدعم الاجتماعي، الذي يعين الإنسان على تجاوز تلك الصعاب.
فالحفاظ على روتين الحياة اليومي، والقيام بالأدوار، والحرص على ملء أوقات الأبناء بما هو نافع ومفيد، ومحاولة انتقاء وغربلة الأخبار التي ينبغي أن يتداولها الناس، هذه من المعاني المهمة جدا، التي لا بد أن نحرص عليها.
وعليه: فإن الإنسان ينبغي أن يوصي بتقوى الله تبارك وتعالى، نوصي أنفسنا وأحبابنا بتقوى الله -تبارك وتعالى- وبالحرص على طاعته، وباليقين بأنه {لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا}؛ لاحظوا لم يقل "علينا" لأن كل الذي يقدره الله هو الخير، قال عمر بن عبدالعزيز: "كنا نرى سعادتنا في مواطن الأقدار"، فالذي يقدره الله -تبارك وتعالى- هو الخير.
وأيضا لا بد من تذكيرهم أن المؤمن رابح في كل أحواله؛ عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن.
وما أحسن ما قال الشاعر:
إذا مس بالسراء عم سرورها ... أو مس بالضراء أعقبها الأجر
نسأل الله العظيم أن يحفظ بلدنا قطر، وأن يحفظ بلاد المسلمين، وأن يرينا في أعداء الإسلام عجائب قدرته، اللهم من أراد بهذا البلد وأهله الخير فأجر الخير على يديه، ومن أرادنا أو أراد إخواننا المسلمين بغير هذه، فاجعله عبرة لغيره، وأرنا فيه عجائب قدرتك، نعوذ بك اللهم من شرور أعدائنا، وندرأ بك اللهم في نحورهم، اللهم اكفنا شر كل ذي شر بما شئت.
نكرر لكم الشكر، ونسأل الله أن يحفظ البلاد والعباد، ونسأله -تبارك وتعالى- لنا ولكم التوفيق والسداد.