بين عثرات التعافي من الإباحيات وقلق الجاهزية للزواج..متى أكسر هذه الحلقة؟

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا شاب أبلغ من العمر 29 عاما، في السابق كنت أشاهد المواد الإباحية، وأمارس العادة السرية، لكن الله وفقني للتوقف عنهما مدة عشرة أشهر، منها فترة خطوبة استمرت سبعة أشهر، وكانت محفزا للتوقف، ثم فسخت الخطبة لخلاف مع والد العروس.

بعد هذا التوقف شاهدت مواد إباحية يومين متتاليين دون استمناء، وفي صباح اليوم التالي وجدت نفسي محتلما، فأصابني شعور شديد بالندم والتقصير، ثم عدت للإقلاع مرة أخرى -والحمد لله- توقفت خمسة أشهر.

ومع ذلك بدأت بعدها أشعر بارتفاع في الشهوة، يدفعني أحيانا إلى مشاهدة مواد إباحية لدقيقة أو دقيقتين دون استمناء، ثم بعدها أشعر بالندم وأعود للالتزام، لكنني أقع في الفعل نفسه كل يوم أو يومين.

بعدها عاهدت نفسي على التوقف التام، وبعد أسبوعين عدت مرة أخرى للنظرات، حيث دخلت ثلاث مرات في نفس اليوم، نظرات قصيرة على مواد إباحية، بعدها عقدت العزم على التوبة، وأن أتوقف مدة شهر، ثم أتقدم للخطبة وأتزوج، لكنني عدت لنفس الأمر بعد انقضاء المدة، وهو مشاهدة لدقيقة أو دقيقتين، ثلاثة أيام متتالية دون استمناء.

شعرت بضيق شديد، ونويت التوقف مرة أخرى مدة شهرين، حتى أتعافى، ثم أبدأ بالتقدم للزواج، وتوقفت بالفعل شهرا ونصف، ثم بدأت أشعر بزيادة في الشهوة، وفي نفس اليوم ليلا بحثت عن مواد إباحية، وألقيت نظرة على صورة، فشعرت بالندم واستغفرت الله، وفي اليوم التالي وجدت نفسي محتلما، فزاد ذلك من شعوري بالذنب، لأني ظننت أن الاحتلام كان نتيجة أفكاري ورؤيتي لتلك الصورة.

بعدها نويت أن أكمل الأسبوعين الباقيين من الشهرين، وأن أستمر في التوقف مدة شهرين بعدها، ثم أتقدم للخطبة، لكن بعد ثمانية وعشرين يوما من التوقف دخلت وشاهدت بعض الصور لفتيات على إنستغرام.

الآن أنا -حقا- أعيش مأساة، ولا أعرف هل أبدأ بالسعي للزواج جديا، استرشادا بحديث الرسول ﷺ: من استطاع الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء، بحيث أتزوج بعد الخطوبة بمدة ثلاثة إلى خمسة أشهر على الأكثر، أم أؤجل الأمر مرة أخرى لثلاثة أشهر، ثم أنوي التقدم للخطبة؟

لدي أيضا مشكلة، أني مصاب بالوسواس القهري منذ فترة، في صلاتي ووضوئي وقراءتي للقرآن، مع ملاحظة أنني لا أتناول أي أدوية عموما -والحمد لله-.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ عبدالرحمن حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نشكرك على تواصلك معنا، وثقتك بموقعنا.

فهمنا من رسالتك -أخي الكريم- صورة واضحة، لشاب يحمل قلبا حساسا، ويعاني معاناة حقيقية، ويصارع نفسه بصدق، ويريد الخير لها، وهذا الصراع الذي تعيشه دليل على حياة القلب، ووجود الإيمان فيه، إذ لو أن القلب مات ما أحس بثقل الذنب، ولا سعى للتوبة مرة بعد مرة، يقول الله عز وجل: {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا علىٰ ما فعلوا وهم يعلمون} [آل عمران:135].

أولا: لا بد أن نبدأ بتخفيف عبء أثقل كاهلك دون وجه حق، وهو شعورك بالذنب تجاه الاحتلام، فالاحتلام أمر خارج عن إرادة الإنسان بالكلية، ولا إثم فيه ولا مؤاخذة عليه، بل هو مما رفع الله عنه القلم، كما قال النبي ﷺ: رفع القلم عن ثلاثة: ... منهم: وعن النائم حتى يستيقظ ... (رواه أبو داود)، وربطك الاحتلام بالذنب، يدل على أن ثمة وسواسا يعمل في داخلك، يضخم الأمور ويثقلك بما لا يلزمك.

ثانيا: إذا نظرنا إلى ما وصفته بعين متأملة، نجد أن ما تمر به ليس مجرد ضعف أمام شهوة، بل هو نمط دوري، يتكرر بشكل يثير الانتباه، نمط يبدأ بمقاومة طويلة تمتد لأشهر، ثم تعرض مفاجئ قصير جدا لا يتجاوز دقيقة أو دقيقتين، ثم موجة هائلة من الذنب والندم والضيق، تليها مقاومة جديدة، وعهود جديدة، وتعيين مواعيد جديدة، وهكذا تدور الدائرة، هذا النمط بالتحديد يستحق أن ننظر إليه من زاويتين متكاملتين:

الزاوية الأولى: ما يتعلق بالسلوك نفسه، فما تصفه من مشاهدة لفترات قصيرة جدا دون استمناء، مع شدة الذنب بعدها، ثم العودة بعد أيام قليلة، يشبه كثيرا من الناحية النفسية ما يعرف بالدورة القهرية، التي تشمل توترا وعملا استجابيا، ثم راحة مؤقتة، ثم عودة التوتر، وهي آلية مختلفة جوهريا عن مجرد الانغماس في الشهوة.

أما الزاوية الثانية -وهي الأهم في حالتك تحديدا-: أنك ذكرت صراحة أنك مصاب بالوسواس القهري، في الصلاة والوضوء وقراءة القرآن، وهذا تفصيل بالغ الأهمية لفهم كل ما تعيشه؛ لأن الوسواس القهري ليس مقتصرا على ناحية واحدة من حياة الإنسان، بل هو اضطراب يؤثر على أكثر من مجال، وشعورك المبالغ في الذنب، وارتباطك بالأرقام ومدد محددة، كشهرين وثلاثة أشهر وأسبوعين، وإعادة العهد مرارا، وربط الاحتلام بالذنب، كل هذه مؤشرات تستحق تقييم متخصص.

ثالثا: أخي الكريم، من أعظم ما يخدع المبتلى بالوسواس القهري، أن الوسواس يستخدم أكثر الأشياء قدسية عنده سلاحا ضده، فيتسلل عبر الصلاة والوضوء، والذكر والشعور الديني، ومن أبرز سمات الوسواس في مسألة مثل مسألتك، أنه يعظم الهفوة الصغيرة حتى تبدو كبيرة، ويجعل الضيق بعدها شديدا، بما لا يتناسب مع حجم الفعل، ويدفعك لوضع شروط صارمة على نفسك، ثم يرتب أنك عند أي انتكاسة تعود للصفر، وهذا بحد ذاته من الأسباب التي تجعل الدائرة لا تنكسر، فأنت لا تعاني من ضعف إيمان فحسب، بل تعاني من آلية نفسية مرضية، تحتاج إلى معالجة متخصصة إلى جانب الجانب الإيماني.

لهذا نوصيك بشكل صريح بزيارة طبيب نفسي، أو أخصائي في العلاج السلوكي المعرفي المتخصص في الوسواس القهري؛ لأن العلاج الصحيح لهذا الاضطراب موجود وناجع -بإذن الله-، وطلب المساعدة المتخصصة فعل حكيم وشجاع، وليس ضعفا، بل إن من الحكمة معرفة حدود قدراتنا، وسعينا فيما يعيننا، والله تعالى يقول: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} [الحج:78].

رابعا: سؤالك عن الزواج سؤال في محله، وقد استشهدت بالحديث النبوي الشريف في موضعه تماما، قال النبي ﷺ: يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء (متفق عليه)، والنبي ﷺ لم يشترط في هذا الحديث حالة من الطهارة أو الكمال قبل الزواج، بل جعل الزواج هو الحل لمن يعاني من الشهوة.

خامسا: الاستمرار في تأجيل الزواج بشرط بلوغ مدة محددة من النقاء، ثم إعادة المدة عند كل هفوة، هو في حد ذاته فخ يجعلك تدور في حلقة لا تنتهي، وتبقى بعيدا عن الحل الرباني الذي أرشدك إليه نبيك ﷺ، ومن ثم فالنصيحة الصريحة هي: ابدأ في السعي الجاد للزواج الآن، دون اشتراط مدة محددة من التوقف، وبالتوازي مع ذلك اسع للعلاج من الوسواس القهري.

سادسا: من الأمور التي تعينك في هذه المرحلة بإذن الله:
1. الحرص على الصلوات في أوقاتها، وفي الجماعة قدر المستطاع؛ فإن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وهي القلعة التي تحصن صاحبها.
2. المداومة على صيام الاثنين والخميس، عملا بالحديث النبوي؛ فإن الصوم وجاء من الشهوة.
3. ملء كوب من الماء البارد عند أول إحساس بالوسواس أو الإغراء.
4. القيام وتغيير مكانك فورا، وملء الفراغ بعمل يدوي، أو مشي، أو ذكر، وهذا ما تسميه العلاجات السلوكية الحديثة: بكسر السلوك الآلي.
5. لا تضع على نفسك أرقاما ومددا، كشهر أو شهرين، تعيدها عند كل عثرة؛ فهذا من صميم الوسواس الذي يشق عليك ولا يعينك، واستعض عن ذلك بهدف يومي بسيط: "اليوم أحسنت، وغدا أجدد النية".
6. تذكر قول النبي ﷺ: إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر (رواه الترمذي).
7. عليك بصحبة صالحة تملأ وقتك وتبعث فيك الهمة، فإن الصاحب ساحب، وقد قال الإمام الشافعي رحمه الله:
أحب الصالحين ولست منهم ** لعلي أن أنال بهم شفاعة
وأكره من تجارته المعاصي *** وإن كنا سويا في البضاعة
8. كن سخيا مع نفسك حين تعثر، وتذكر أن الله يفرح بتوبة عبده فرحا عظيما، وفي الحديث: والله لله أشد فرحا بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته في الأرض الفلاة (متفق عليه).

سابعا: الأفكار التي تمر على الخاطر، والاحتلام الذي يأتي أثناء النوم، ليسا من عملك، ولا تكليف عليك فيهما، والله تعالى يقول: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [البقرة:286]، فأرح نفسك من هذا العبء تماما، واجعل اهتمامك في العمل الإرادي وما بيدك أنت تحديدا.

نسأل الله أن ييسر أمرك، وأن يشرح صدرك، وأن يهديك سواء السبيل، وأن يمن عليك بزوجة صالحة، تكون لك قرة عين وسكنا وطمأنينة، وأن يعافيك مما تشكو منه من وسواس وضيق.

مواد ذات صلة

الاستشارات