جدتي جعلت البيت في حالة استنفار دائم بسبب صراخها!

0 0

السؤال

السلام عليكم.

أنا طالبة جامعية أعيش حياة هادئة نوعا ما، لكن عندي مشكلة، أو بالأحرى هي مشكلة العائلة كاملة، جدتي تبلغ من العمر 90 سنة، ومنذ حوالي 14 عاما وهي تسكن معنا في البيت نفسه، ونقوم برعايتها.

كانت في البداية تستطيع المشي، ثم بدأت حالتها بالتدهور، لا مشكلة عندي أو عند عائلتي من رعايتها، لكنها دائمة الصراخ وغير صبورة، بل وكثيرا ما تجعلني أستيقظ ليلا؛ أحيانا بسبب نوبات غضب، وأحيانا تكون تريد شيئا غير مستعجل، ومع ذلك فحتى وإن لبيت طلبها تبقى تنادي وتصرخ، فأقوم لخدمتها عدة مرات.

للأسف، أفقد صوابي أحيانا لأن طلباتها غير منطقية؛ فهي لا تريد أحدا أن ينام، وتريدنا دائما تحت خدمتها دون أن نفعل أي شيء آخر، أخاف أن يصيبني مكروه بسبب قلة النوم؛ فأنا في الغالب لا أنام سوى ساعتين أو ثلاث، وهكذا أخواتي أيضا رغم صغر سنهن، فهي جعلت البيت في حالة استنفار دائمة؛ أي صوت أو طرقة توقظنا وتعكر صفونا، وعندما أغضب، أراجع نفسي وأؤنبها، لكن رغما عني؛ فأنا أقسم أنه لا أحد يستطيع تحمل هذا.

في المقابل، هناك أولادها الآخرون وأحفادها في البلدة نفسها، لا أحد يأتي لزيارتها أو يخفف عنا، إلا ما ندر جدا جدا، وبرأيي هذا لا يكفي، هل من العدل أن يقع الحمل على عائلة واحدة طوال هذه المدة الطويلة من الزمن؟ بالطبع ستقولون لي أن أصبر، وأنا أريد أن أصبر، لكني سأجن!

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ ريم حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبا بك أختنا الفاضلة في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله أن يوفقنا وإياك لصالح القول والعمل.

أختي الكريمة، ندرك تماما المعاناة التي تمرين بها، فما تشعرين به ليس دليلا على انعدام البر أو تعمد العقوق، بل هو ألم طبيعي نتيجة التصادم بين الرغبة في البر والإحسان، وبين الاحتياجات الشخصية الطبيعية للراحة والسكون؛ لمواجهة أعباء الحياة المختلفة.

لذلك، أختي الفاضلة، نضع بين يديك مجموعة من النصائح والتوجيهات للتعامل مع هذه الحالة، ونسأل الله أن يعينك على تطبيقها:

أولا: وعي وإدراك طبيعة الموقف حتى تتغير نظرتك إليه، ويسهل تعاملك معه.

أختي الكريمة، يجب أن تدركي أن جدتك في سن التسعين قد وصلت إلى ما يسميه القرآن "أرذل العمر"، حيث قال تعالى: (ومنكم من يرد إلىٰ أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا).

في هذه المرحلة، يعود الإنسان في وعيه وتصرفاته إلى حال يشبه حال الطفل الصغير، ولكن بجسد كبير واحتياجات أكثر تعقيدا، وصراخها وعدم صبرها ليسا سوء خلق منها، بل قد يكونان نتيجة تدهور في القدرات العقلية والجسدية، كالخرف أو الزهايمر، أو آثار الشيخوخة، وهي في هذه الحال غير مؤاخذة شرعا على أفعالها.

إن وعيك بهذا الأمر سيخفف من حدة غضبك تجاهها، ويزيدك تفهما لما تمر به، خاصة أننا جميعا – إذا شاء الله – قد نصل إلى هذه المرحلة، ولا يسر أحدا منا أن يقابل فيها بجفاء أو شدة أو إهمال.

ثانيا: عظم الأجر مع شدة البر:
أختي الكريمة: البر الحقيقي ليس ما يكون في وقت الراحة والسعة، بل ما يكون مع المشقة والتعب، وما تقومين به وأنت متعبة ومنهكة هو أعظم صور البر، فلا بد من الرضا والاحتساب ليكتب الله الأجر والثواب، وهذه هي المرحلة التي خصها القرآن بالذكر في بر الوالدين -والعلماء يلحقون الجدين بالوالدين في هذا الحق تماما-، فقال تعالى: (إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا)، فتأملي كيف خصت مرحلة الكبر بالذكر لما فيها من مشقة واحتياج، وهنا يظهر كمال البر والإحسان.

أختي الفاضلة، شعورك بالذنب بعد الغضب دليل على حياة قلبك وصدق رغبتك في الإحسان، فإن كنت تريدين الأجر، فعليك بالصبر والاحتساب رجاء ما عند الله، وإن صدر منك تقصير أو تجاوز، فباب التوبة مفتوح، والله كريم رحيم يقبل التوبة، أما الإساءة إليهما، فهي من العقوق، وهو من كبائر الذنوب.

ثالثا: لا يكلف الله نفسا إلا وسعها:
فالشريعة لا تطلب منك أن تنهاري نفسيا أو صحيا؛ فالحفاظ على صحتك وصحة أخواتك واجب شرعي كذلك، والبحث عن حلول عملية لا يتعارض مع البر، ومن تلك الحلول الممكنة:

الأول: المشاركة في رعاية الجدة: ليس من العدل ولا من البر أن يتحمل بيت واحد العبء كاملا، فرعاية الجدة واجبة على جميع أبنائها، إلا إذا كانوا عاجزين عن تلك الرعاية؛ لذا ينبغي أن يعقد اجتماع عائلي واضح وصريح، يقال فيه "نحن نحب جدتنا ونريد رعايتها، لكننا نخشى أن نقصر في حقها بسبب الأعباء الأخرى التي تمر بنا، ولا بد من تقاسم المسؤولية".

الثاني : توزيع الرعاية أو الدعم المالي: من الحلول الممكنة أن تنتقل الجدة بين البيوت بشكل دوري، أو أن يساهم الأقارب ماديا -خصوصا المقتدرين- في توفير ممرضة أو جليسة مسنين لبضع ساعات يوميا؛ لتتمكنوا من الراحة والنوم.

الثالث: تنظيم وتناوب لرعايتها: يمكن وضع جدول واضح، بحيث يكون لكل شخص داخل المنزل وقت محدد يتولى فيه المسؤولية والرعاية، بينما يرتاح الآخرون.

الرابع : التدخل الطبي: كبار السن كثيرا ما يعانون من اضطرابات النوم وكثرة الالتهابات؛ مما يسبب الآلام كثيرا، وقد يزداد لديهم ذلك ليلا، لذلك استشارة طبيب مختص في طب المسنين قد يساعد في وصف أدوية أو إرشادات صحية تحسن نومها وتخفف من معاناتها ومعاناتكم.

الخامس: تعديل نمط يومها: حاولوا إشغالها نهارا ببعض الأنشطة المناسبة؛ لتقليل نومها خلال النهار، لتتمكن من النوم ليلا بشكل أفضل.

أختي الفاضلة، عندما تسمعين صراخ جدتك، تذكري أنها قد تكون في حالة غياب وعي وإدراك جزئي، فهي لا تقصد إيذاءك، بل قد تعبر عن خوف أو ألم لا تستطيع تفسيره.

أختي الكريمة، لا تلومي نفسك على شعورك بالضيق؛ فهذا من طبيعة البشر، خاصة مع ضغط الدراسة والحياة، المهم ألا تتحول هذه المشاعر إلى إساءة في القول أو الفعل، وتذكري دائما قول النبي صلى الله عليه وسلم (بروا آباءكم تبركم أبناؤكم).

أخيرا: أنت وعائلتك تقومون بعمل عظيم في الإحسان والرعاية لجدتكم، وتؤدون عملا صالحا من أعظم القربات إلى الله، لكن استمرار الوضع بهذه الصورة قد يؤدي إلى أضرار عليكم يمكن تقليلها بالحكمة والتنظيم؛ لذا فإن إشراك بقية الأقارب والاستعانة بالرأي الطبي، ومحاولة فعل بعض الحلول التي طرحناها لك قد يساعدكم كثيرا، وهذا ضرورة لضمان استمرار هذا البر دون إلحاق الأذى بكم أو بجدتكم.

حاولي شرح كل هذا للعائلة، وتكوين رأي لإيجاد حل يناسبكم جميعا، ويحقق الخير لكم والبر بجدتكم.

وفقك الله، وأعانك، ويسر أموركم.

مواد ذات صلة

الاستشارات