كلما تقدمت لفتاة يتم الرفض رغم التزامي ومدحهم لي!!

0 0

السؤال

السلام عليكم.

شيوخنا الأفاضل، نلتمس مشورتكم في أمر حيرني، ولا أدري كيف أتصرف حياله.

أنا شاب ذو حسب ونسب، ظاهري الالتزام، رزقني الله شيئا من الوسامة، وحسن الخلقة؛ مما يغبطني عليه أقراني علانية، وحالتي المادية والاجتماعية جيدة، حباني الله بسمعة طيبة، وطبعني بأخلاق حميدة، وإن سأل الناس عني لا يكادون يجدون ما يعيبونني فيه؛ لا لعصمتي، ولكن لستر الله علي، وعلى عيوبي الكثيرة، ومع ذلك، كلما طرقت بابا راغبا في خطبة فتاة ذكرت لي، قوبلت بالرفض، نعم، قلة منهم أبدوا موافقة مبدئية، لكن سرعان ما يظهر ما يدفعني أنا إلى العدول عن الخطبة؛ كأن يتبين كذب في النسب، أو يشترط انتظار سنتين، أو غير ذلك من الأسباب.

ووالله إني لا أشكو قضاء الله، ولكني أراجع نفسي، وأتهمها بما قد يكون من ذنوبي وتقصيري في عبادة ربي؛ فلعل ذلك حال بيني وبين التوفيق في الزواج.

كما لا أستبعد أثر العين أو السحر؛ إذ أن من حولي يعرف عن بعضهم الحسد، وأتصور أن أحدهم يقول: فلان –يعنونني– لا بأس به، حري إن خطب أن ينكح

وأنا على هذا الحال لأكثر من عامين، ما يزيدني غرابة أن كل من رفضني ينقلون لنا مدح من سألوهم عني لي!

فما أرجوه منكم -أيها الفضلاء-، أن تدلوني على السبيل الأمثل للتعامل مع هذا الرفض المتكرر من جهة أثره في نفسي؛ إذ لم يعد الأمر موقفا عابرا ينسى، بل تكرر حتى أورث في داخلي حيرة وثقلا لا أحسن التعامل معه، وأجدني بين تفسيرات شتى: أهو ابتلاء، أم تقصير مني، أم أمور خفية لا أعلمها؟ فتتزاحم هذه الخواطر في ذهني حتى تضعف طمأنينتي، وتربكني في نظرتي لنفسي وواقعي.

فلم أعد أحسن استقبال هذا الرفض كما ينبغي، ولا أعرف إلى أي حد أراجع نفسي دون أن أفرط في لومها، وقد بلغ من استيلاء هذا الأمر على فكري أني صرت أحمل كل رفض جديد على ما قبله، فيتجدد في نفسي من الاضطراب ما كنت أرجو أن يخف.

فأرشدوني –جزاكم الله خيرا– إلى ما يعينني على فهم هذا الحال، والتعامل معه على وجه سليم، يرفع عني هذا الاضطراب، ويعيد إلى نفسي سكينتها.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ خالد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يشرح صدرك، وأن يطمئن قلبك، وأن يرزقك الزوجة الصالحة التي تقر بها عينك، وأن يجعل ما تمر به رفعة لك، وتمحيصا لا تعطيلا، وأن يبدل حيرتك يقينا وسكينة؛ فإن ما ذكرته يتكرر مع كثير من الصالحين، لكنه يحتاج إلى فهم يضعه في موضعه الصحيح، لذا دعنا نجيبك من خلال ما يلي:

1- أول ما يثبت القلب أن ما يجري لك داخل في قدر الله، قال تعالى: (وربك يخلق ما يشاء ويختار)؛ فاختيار الزوجة رزق كاختيار الوظيفة، وما يدريك لعل الله ادخر لك ما يناسبك، وصرف عنك ما لا يسعدك، وتكرار الرفض مع وجود المدح علامة دقيقة، وهي أن الصورة الظاهرة لك طيبة، لكن التوفيق لم يكتب بعد، لا لنقص فيك بالضرورة؛ فقد قال -صلى الله عليه وسلم-: واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك.

2- اتهام النفس من حيث أصل المراجعة محمود، لكن الإفراط فيه مذموم؛ لأن الله لم يربط كل تأخر بذنب مباشر، بل قد يؤخر ليعطيك ما هو أنسب، وقد قال تعالى: (وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم).

3- لا تجعل ذهنك ينحصر بين: ذنب، أو عين، أو سحر بصورة حصرية؛ فهذه من الأسباب، لكنها ليست التفسير الأول لكل شيء، والأصل أن يبنى الأمر على السنن الظاهرة، لا على الظنون الخفية؛ لأنه من أقسى أنواع البلاء أن يرى الإنسان نفسه في دائرة مغلقة من التفسير، فيحمل كل رفض جديد معنى تراكميا، فيكبر الأثر في قلبه، مع أن كل حالة مستقلة في حقيقتها.

4- كما أن من المهم أن تعلم أن الزواج ليس اختيار الأفضل مطلقا، بل الأنسب، فقد تكون ممدوحا في الظاهر، لكن لم يحصل التوافق القلبي أو الظرفي، وهذا أمر خارج عن قدرتك.

5- هذا الذي تعيشه أقرب إلى الابتلاء التربوي، الذي يهذب النفس؛ فهو يخفف تعلقها، ويكسر استعجالها، ويعيد توجيهها إلى الله، وهذا من أعظم العطايا، وإن بدا خلاف ذلك.

6- من الخطأ أن تجعل كل رفض مرآة لنفسك، بل انظر إليه كقدر مستقل، فيه من الأسباب ما لا تعلمه، ولا يلزم أن يكون عائدا إليك.

7- تعامل مع الأمر بخطوات عملية:
- وسع دائرة البحث، ولا تحصر نفسك في نمط واحد.
- استعن بمن يحسن الاختيار، ويعرف البيوت.
- واسأل بوضوح عن التوقعات قبل التقدم.
- لا تتأخر في الحسم إذا ظهرت عوائق.

8- اضبط قلبك عند كل تجربة؛ فلا تبن أملا كبيرا مبكرا، ولا تحملها فوق حجمها؛ حتى لا تتكرر الصدمة بنفس القوة.

9- هذا أيضا لا يمنع التحصن بالأذكار والرقية الشرعية؛ فهي -الأذكار- حصن حصين لك، وأكثر من الدعاء المشروع في هذا الباب، وقل: (اللهم ارزقني زوجة صالحة تكون عونا لي على ديني ودنياي، اللهم اختر لي ولا تخيرني)، فالقلب إذا فوض الأمر لله استراح، واحذر من التوسع في تفسير الأمور بالعين أو الحسد؛ لأن ذلك قد يفتح عليك باب القلق، بل خذ بالأذكار، واعلم أن التأخير في الزواج ليس نقصا، بل مرحلة، وكثير من الزيجات المباركة جاءت بعد تأخير؛ لأن التوقيت جزء من التوفيق.

10- خفف من ضغط التفكير؛ لأن كثرة التحليل تضعف الطمأنينة، واجعل لك مساحات تعيش فيها حياتك بعيدا عن هذا الملف.

وختاما: تذكر دائما أن الله إذا منع عنك شيئا مع قدرتك الظاهرة عليه، فإنما يمنعه لحكمة، إما ليعطيك خيرا منه، أو ليصرف عنك شرا لا تراه، فاستعن بالله وخذ بالأسباب الماضية، وإنا نسأل الله أن يشرح صدرك، وأن يرزقك سكينة القلب، وأن يكتب لك الزوجة الصالحة في الوقت الذي يريده لك، وأن يرزقك الرضا بقضائه، وحسن الظن به، وأن يجعل ما تمر به سلما إلى قربه، لا سببا لاضطرابك، والله الموفق.

مواد ذات صلة

الاستشارات