السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أمي وأبي متزوجان منذ نحو ثلاثين سنة، ومشكلاتهما كثيرة، أبي إنسان سريع الانزعاج، ووجهه عبوس، وتعامله قد ينفر الناس منه، لكنه طيب، ولم يقصر في شيء.
المشكلة أنه بعد أن تحل الخلافات بينهما، يعود أبي لفتحها مرارا، مما جعل أمي لا تطيقه وتنفر منه، وأصبحت شديدة العصبية، وتفكر بجدية في الانفصال، وهي دائما تطلب مشورتي، فأجيبها غالبا بأن الأمر بينك وبين أبي، وأنتما أدرى بالحكم فيه، لأنني لا أريد أن أقول ما قد يسخط الله علي.
وبحكم أنني مختص في القانون، تطلب مني المساعدة في الإجراءات القضائية، فما توجيهكم لي؟ علما بأن علاقتهما غير صحية وغير مستقرة، وقد أصبحت أمي تتناول أدوية نفسية، وهي عازمة على الانفصال، ولو عن طريق الخلع.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك -أخي الكريم- في شبكة إسلام ويب، وردا على استشارتك أقول وبالله تعالى التوفيق:
أسأل الله أن يصلح حال والديك، ويؤلف بين قلوبهما، ويكتب لك الأجر على حرصك وبرك بهما.
ما ذكرته يدل على معاناة حقيقية مزمنة داخل البيت، وليس مجرد خلاف عابر، ولذلك يحتاج إلى توازن دقيق بين البر، والإصلاح، وعدم التورط في ما لا يحسن.
أولا: الموقف الشرعي من هذه المشكلة.
الهدف الرئيس من الزواج حصول السكن النفسي والاستمرار، وفي حال حصول أي مشكلة يتم الإصلاح، وهذا ما ذكره ربنا في كتابه الكريم.
إذا تحول الزواج إلى ضرر نفسي أو حياتي مستمر، ووصلت الحياة إلى طريق مسدود، فالشريعة لا تلزم بالبقاء مع وجود الأذى الدائم، وعدم التوصل إلى حل للمشكلة.
إذا كان الضرر الحاصل لأمك محتملا فيجب السعي في الإصلاح، وإن صار متحققا ومستمرا (كما يظهر من وصفك)؛ فالانفصال مباح، بل قد يكون أهون من دوام الشقاق، خصوصا مع كثرة المشاكل، فإعادة فتح الجراح، تدهور الحالة النفسية (تناول الأدوية).
ثانيا: تشخيص لشخصية والديك.
- والدك طيب ومحسن ماديا لكنه سريع الانفعال، ويعيد الخلاف بعد الصلح، ولا يحسن إدارة المشاعر، وهذه الشخصية بهذه السلوكيات ترهق الطرف الآخر جدا.
- والدتك وصلت إلى مرحلة النفور والاحتراق النفسي، أصبحت عصبية ومنهكة وتفكر بالانفصال بجدية، وهذه علامات استنزاف طويل وليس قرارا لحظيا.
ثالثا: دورك في حل الإشكال.
أنت الآن في موقف حساس جدا بين ثلاثة أمور: بر والديك، والإصلاح بينهما، وعدم التورط في اتخاذ القرار عنهما، والذي يجب عليك أن تكون مصلحا لا قاضيا.
رابعا: كيف تجيب على طلب والدتك؟
إجابتك الحالية جيدة، لكن تحتاج إلى تطوير بسيط، فبدلا من أن تقول لها: "هذا بينك وبين والدي" قل لها: "أنا مع بقاء البيت إن أمكن، لكن لا أرضى لك ضررا مستمرا، والأفضل أن تعرض المسألة على أهل حكمة أو مستشار"، وبهذه الطريقة أنت لا تدفعها للطلاق، ولا تجبرها على البقاء مع ما تعانيه من الضرر، بل توجهها للحل الصحيح.
خامسا: قولك: هل أساعدها قانونيا في الخلع؟
- هذه نقطة حساسة، فلا تكن أنت من يقودها للانفصال؛ لأن ذلك قد يجعلك في صدام وربما في عداء دائم مع والدك، وقد يسبب لك شعورا بالذنب لاحقا.
- لعلك تحتاج إلى مساعدة والدك أولا، وذلك بالجلوس معه وتذكيره بالله تعالى بعد أن تبين محاسنه، وتنبهه على الخطأ الذي يقع فيه برفق ولين، وهو أنه يعيد تأجيج الصراع كل مرة ويغضب سريعا وينفعل، وذكره بمحاسن والدتك، وأنها قائمة بشئون البيت خير قيام، وفي حال فقدها قد يندم ندما شديدا، فإن رأت أمك بداية التحسن فإنها ستصبر، ولعلها تتراجع عن طلب الانفصال.
- حاول أن تساعده في التخفيف عنه من ضغوطات الحياة إن كان محتاجا لذلك، وربما كان محتاجا لبعض العلاجات التي تخفف عنه الانفعال والغضب، وهذا متاح طبيا.
- قد يحتاج والدك إلى الذهاب لمستشار أسري مختص، فلعله يوجهه التوجيه السليم، ولعله يغير أسلوب تعامله.
- يمكن أن يتدخل في هذه المشكلة أحد أفراد الأسرة، شريطة أن يكون حكيما، وعنده خبرة في حل المشاكل الأسرية، بشرط أن يكون مقبولا لدى الطرفين، فلعله يخرج بحل يرضي الطرفين.
- هدئ والدتك، وأبلغها أن تسعى في حل المشكلة من عدة طرق، ولعل طريقا منها يكون فيها الحل الناجع.
- في حال أنك لم تصل مع والدك إلى طريق، فهنا يأتي دور الحكمين كما قال تعالى: {وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا}، فالحكمان يمكن أن يستمعا لكل طرف ويحكمان بما يريانه مناسبا، وما عليهما سوى القبول امتثالا لأمر الله تعالى.
- إن رفض أحدهما فلا حرج حينئذ من عرض القضية على المحكمة الشرعية، ولا مانع إن احتاجت الوالدة أن تنظر لها محاميا، ولا تجعل نفسك طرفا في المشكلة فتترافع عنها، وتواجه والدك.
سادسا: كيف تحافظ على برك لهما؟
لا تنحز علنا ضد أحد، ولا تنقل الكلام بينهما، وادع لهما، وعامل كليهما بإحسان، فأنت لست مسؤولا عن قراراتهما بل عن برهما، ومن البر حسن التوجيه برفق ولين.
أسأل الله أن يصلح حال والديك، ويكتب لك الأجر على برك، وأن يختار لهما ما فيه الخير والسعادة.