السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا أعاني من إدمان الإباحية والعادة السرية منذ مدة، لكنني أجاهد نفسي قدر ما أستطيع، وأدعو الله أن يهديني ويرجعني إلى ما كنت عليه في السابق.
كنت أصلي كثيرا، لكن بسبب فتاة عدت إلى الإباحية والعادة السرية، المشكلة أنني آخذ بالأسباب وأدعو الله أن يهديني، لكنني لا أجد التغيير الذي أرجوه، أرتكب الذنب ثم أتوب ثم أعود إليه، وما زلت عاصيا رغم محاولاتي.
أرى غيري كان واقعا في المشكلة نفسها، ثم تاب ورجع إلى الله دون أي مجهود يذكر -مقارنة بما أبذله-، بل إن بعضهم لا يفعل إلا أداء الفرائض فقط.
لا أعرف، أحيانا أشك أن الله لم يعد يريدني، وأحيانا أشك في نفسي أنني لا أريد ترك هذا الذنب أصلا، وتأتيني شكوك كثيرة، لماذا هداهم الله رغم أننا في المركب نفسها، وأنا لا؟
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نشكرك على تواصلك معنا، وثقتك بموقعنا.
فهمنا من رسالتك -أخي الكريم- أنك تخوض معركة شاقة مع نفسك منذ مدة، وأن قلبك ما زال حيا يتألم ويتوب ويتوق إلى العودة إلى الله عز وجل، وهذا بحد ذاته دليل على أن الخير فيك لم يمت.
أولا: شعورك بالكفاح دليل حياة لا دليل هلاك، ومجاهدتك لنفسك، ودعاؤك الدائم، وألمك على ذنوبك، هي نفسها علامات الإيمان الحي في قلبك، فالعبد الذي يذنب ثم يتألم ثم يعود ويستغفر، ليس كالذي يذنب ولا يبالي، وقد قال النبي ﷺ: كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون.
ثانيا: ما تعانيه ليس ضعفا في إيمانك فحسب، بل هو إدمان حقيقي له آلياته النفسية المعروفة، فالإدمان على المحتوى الإباحي يحدث تغييرات في طريقة عمل الدماغ، مما يجعل الإقلاع عنه أمرا يحتاج إلى جهد منهجي متواصل، وليس مجرد قرار في لحظة، وهذا يعني أن تكرار السقوط لا يعني بالضرورة أنك مقصر في حب الله، بل يعني أنك تواجه معركة تحتاج إلى أدوات أكبر مما تستخدمه الآن، وقد ذكرت أن البداية كانت بسبب تعلقك بفتاة، وهذا يكشف أن هناك حاجة عاطفية غير مشبعة تغذي هذه الدائرة، وهو ما يستحق التأمل والعلاج من جذره.
ثالثا: لفت انتباهنا أنك تقارن نفسك بمن هداه الله بيسر وأنت تكافح، وهنا نقول لك صراحة: إياك والمقارنة، فإن الله سبحانه يعامل كل إنسان على حدة، ووفق حكمة لا نحيط بها، فبعض الناس ابتلاؤهم في الصحة، وآخرون في المال، وآخرون في الشهوة، وليس معنى طول المعركة أن الله لا يريدك، بل ربما معناها أن الله يريد أن يرى منك صبرا أعمق، فيعطيك من الأجر ما لا يعطاه من انتصر بسهولة، قال الله تعالى: {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب}.
رابعا: في مسألة الشك أن الله لا يريدك، هذه الوسوسة بالذات هي من أخطر ما يلقيه الشيطان في القلب، لأن من ظن أن الله يئس منه توقف عن العمل وانقطع عن الدعاء، والله عز وجل يقول في كتابه الكريم: {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم}، هذه الآية نزلت لأمثالك تحديدا، فلا تدع الشيطان يسرق منك حسن الظن بالله، أما شكك في إرادتك الصادقة للتوقف، فلا تحاربه بالتفكير، بل حاربه بالفعل، فكل خطوة عملية تتخذها هي دليل على صدق إرادتك.
خامسا: من الأمور التي ستعينك بإذن الله:
1. سد الذرائع قبل مجاهدة النفس:
من المهم أن تضع حواجز عملية تمنعك من الوصول إلى هذا المحتوى، وذلك بتنصيب برامج الحجب على أجهزتك، ومنح كلمة المرور لشخص تثق به، حتى لا تستطيع تعديلها في لحظة ضعف، فالحكمة تقتضي سد الطريق قبل أن يفتح.
2. كسر دورة الإدمان بفهمها:
الإدمان يعمل على نمط ثابت هو: المحفز، ثم الرغبة، ثم الفعل، ثم الندم، فأنت حدد محفزاتك تحديدا: هل هي الوحدة؟ هل هو التفكير في الفتاة؟ هل هو وقت الليل؟ ثم ضع خطة لكل محفز، مثل الخروج من الغرفة، أو الاتصال بصديق، أو الوضوء والصلاة ركعتين.
3. عليك بالصيام:
قال النبي ﷺ: يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء، فالصيام ليس عبادة فحسب، بل هو علاج نبوي موصوف لمشكلتك تحديدا.
4. مراجعة علاقتك بالصلاة من زاوية مختلفة:
لا تنتظر أن تكون طاهرا تماما لتقف بين يدي الله، بل قف بين يديه مثقلا بذنوبك وقل له: "يا رب أنا ضعيف وأنت القوي، اهدني واعصمني"، وتذكر أن الله تعالى قال: {إن الصلاة تنهىٰ عن الفحشاء والمنكر}.
5. لا تستهن بقيمة المحاسبة الخارجية:
إيجاد صديق أو مرشد أو شيخ تثق به وتبوح له بما تعانيه، وتكون خاضعا لمتابعته، من أقوى الأدوات في مجاهدة النفس، فالسر الذي يخرج من الظلام إلى النور يفقد كثيرا من قوته على صاحبه، وقد قال البوصيري رحمه الله:
والنفس كالطفل إن تهمله شب علىٰ *** حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم
فالنفس تحتاج إلى تربية وضبط وأطر خارجية، تساعدها حتى تعتق من قيودها.
سادسا: نود أن ننبه إلى أن الإدمان على المحتوى الإباحي، أصبح من الحالات التي يتخصص في علاجها أخصائيون نفسيون مدربون، ولا غضاضة في طلب المساعدة المتخصصة، بل هي من الأخذ بالأسباب التي أمر بها ديننا؛ فإن تيسر لك التواصل مع أخصائي نفسي، يساعدك على التعامل مع هذه المشكلة بصورة منهجية، فلا تتأخر في ذلك.
سابعا: أخي الكريم، إن اللجوء إلى الله عز وجل بالدعاء في السجود وآخر الليل وفي كل حين، أمر لا بد منه في مثل هذه الأحوال، تذكر دائما أن من وجد في قلبه ألم المعصية، هو أقرب إلى رحمة الله ممن لا يشعر بشيء، فلا تستسلم ولا تتوقف عن المجاهدة، مهما كثرت السقطات.
نسأل الله أن ييسر أمرك، وأن يشرح صدرك، وأن يهديك سواء السبيل.