السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
لو كان شخص قد فعل أمرا غير لائق مع امرأة عبر الإنترنت ثم تاب، فكيف يطمئن إلى أن مثل هذا الأمر لن يحدث لزوجته أو لابنته؟
بمعنى: هو الآن قد أذنب مع امرأة، ثم تزوجت هي بعد ذلك؛ فما الذي يجعل الشخص الأول أفضل من الثاني، مع أن الثاني تزوج امرأة أخطأت؟
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ أحمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك -أخي الكريم- في استشارات إسلام ويب، أسأل الله أن يشرح صدرك، ويهدي قلبك، ويرزقك التوبة النصوح.
وردا على استشارتك أقول مستعينا بالله تعالى:
استشارتك تحمل في طياتها قلقا عميقا، وشعورا بالذنب والخوف من الجزاء، وعليه فسوف أجيبك إجابة شاملة واضحة تشمل الجانب الشرعي والنفسي والتربوي، لعل الله أن ينفعك بها.
أولا: من الناحية الشرعية: لا شك أن ما فعلته مع تلك المرأة أمر محرم، غير أن باب التوبة لا يزال مفتوحا على مصراعيه رحمة من الله بعباده، مهما كانت الذنوب ومهما كثرت، يقول ربنا في كتابه الكريم: {قل يا عبادي الذين أسرفوا علىٰ أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم}.
الشرك بالله تعالى هو أعظم ذنب يرتكبه العبد، ومع هذا فلو تاب تاب الله عليه، قال تعالى: {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما * يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا * إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما}.
الأحاديث النبوية التي تدل على قبول توبة العبد كثيرة، يقول ﷺ: كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون، ويقول ﷺ: التائب من الذنب كمن لا ذنب له، ويقول الله -عز وجل-: يا ابن آدم، لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا، لقيتك بقرابها مغفرة.
من شروط التوبة النصوح أن يقلع العبد عن الذنب، ويندم على ما فعل، ويعزم على ألا يعود مرة أخرى، ورد الحق لأصحابه إن كان الذنب يتعلق بالخلق؛ فإذا كنت قد تبت، وأقلعت، وندمت، وعزمت ألا تعود، فأنت -بإذن الله- قد طهرت من هذا الذنب، ولا يلاحقك بعد ذلك في مستقبلك ولا في أهلك.
ثانيا: قولك ما الذي يضمن أنه لن يحصل مثل هذا في زوجتي أو ابنتي؟
هذا يمكن أن يقع إذا لم يتب الشخص توبة نصوحا بشروطها السابقة، من باب الجزاء من جنس العمل، وأما إن تاب فلا؛ فالله تعالى يقول: {إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما}.
لا يوجد نص في الشرع يقول: كما فعلت سيفعل بك أو بأهلك، تبت أو لم تتب، بل الثابت في نص القرآن الكريم قوله: {ولا تزر وازرة وزر أخرى}، وعليه: فزوجتك أو ابنتك لا تعاقب بذنبك، ولا يلزم أن يحدث نفس الخطأ الذي وقعت فيه، صحيح أنه قد يجازي الله العبد من جنس عمله أحيانا، لكن هذا ليس حتميا، خصوصا مع التوبة.
ثالثا: شعورك بهذا الخوف:
1- هذا الشعور ناتج عن تأنيب الضمير؛ لأنك تعرف أن ما حدث كان خطأ، فيظهر الخوف في صورة: هل سيحدث مع زوجتي أو ابنتي نفس الشيء الذي فعلته؟
2- ربما ضخمت هذه الفكرة في عقلك، وربما سمعت أو قرأت من يقول إن من أذنب ذنبا عاقبه الله بمثله، وخاصة تلك الأبيات التي تنسب للإمام الشافعي -رحمه الله-:
من يزن يزن به ولو بجداره *** إن كنت يا هذا لبيبا فافهم
3- ربنا -سبحانه- رحيم وعدل، ومن عدله ألا يعاقب الولد بذنب الأب، أو يعاقب الزوجة بذنب الزوج، لكن كما سبق قد يحدث ذلك إن لم يتب العبد من ذنبه.
4- من رحمة الله أنه يستر العبد، وإن تاب توبة نصوحا قبل توبته، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له.
رابعا: قولك ما الذي يجعل الشخص الأول أحسن من الثاني؟
والإجابة بكل وضوح: الذي يجعل الأول أحسن من الثاني هي التوبة والاستقامة على دين الله تعالى وتقوى الله، كما قال تعالى: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم}.
خامسا: خطوات عملية تجعل قلبك مطمئنا:
1- حقق التوبة النصوح، فاقطع أي علاقة محرمة، ولا تعد لنفس الطريق، ولا تبحث عن فتاة أخرى، واشغل نفسك بما ينفعك، واستخدم النت في طاعة الله.
2- لا تفتش في الماضي، ولا تسأل نفسك عن تلك الفتاة، وما حدث لها، وهل تابت أم لا؛ لأن هذا لا يفيدك شيئا.
3- ابن نفسك أخلاقيا، وارتق بها في معارج الأخلاق؛ كي تطمئن على نفسك ومستقبلك، فاحفظ حدود الله، وغض بصرك، وكن قدوة صالحة، وحافظ على الفرائض، وأكثر من الطاعات، يقول ﷺ: وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن.
4- أكثر من التضرع بالدعاء بين يدي الله تعالى، وتحين أوقات الاستجابة مثل الثلث الأخير من الليل، وأثناء السجود، وسل ربك أن يتوب عليك ويسترك في الدنيا والآخرة، وكلما ذكرت الذنب فاجعله حاديا لك للاستمرار في طريق التوبة والاستقامة.
أسأل الله تعالى أن يتوب علينا وعليك، وأن يغفر لنا ولك الذنوب، ويستر العيوب، إنه سميع مجيب.