السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
هل يعد من الحسد عدم رغبتي في وصول الآخرين إلى ما وصلت إليه من منصب وظيفي، مع أنني اجتهدت وتعبت وسعيت حتى بلغته، بينما قد يصل غيري إليه بسبب معرفته بأحد ما؟ وإذا كانت الإجابة نعم، فكيف أتخلص من هذا الشعور؟
شاكرة لكم.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ haneen حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نرحب بك في استشارات إسلام ويب.
هناك مشاعر طبيعية ومتفهمة؛ وهي تلك المتعلقة بالانزعاج من الظلم، الذي يجعل البعض في مقام لا يستحقونه، بسبب واسطة، أو نسب، أو غيره؛ وخاصة عندما نكون قد بذلنا من الجهد الشيء الكبير، للوصول إلى ما وصل إليه غيرنا، بأبسط الطرق وأيسرها، دونما استحقاق أو أهلية حقيقية، ولكن يبقى أن هناك أمورا مهمة في هذا الموضوع ألخصها على النحو التالي:
1. الحسد في تعريفه الشرعي تمني زوال النعمة عن الغير، وهو شعور خبيث يستكثر رحمة الله على الخلق، فيتمنى زوالها عنهم؛ وهو في تقديري مختلف عن التوصيف الوارد في حالتك، من كرهك لوصول من لا يستحق، أو من لم يبذل إلى ما وصلت إليه ببذلك واجتهادك.
2. من المهم أن تكوني خبيرة فعلا بدوافع مشاعرك، هل هو فعلا ما تفضلت به من وصول من لا يستحق إلى ما وصل إليه؛ أم أن الدوافع بالفعل هي شعورك بالغيرة غير الشرعية؛ والتمني الحقيقي لأن لا ينال غيرك ما نلت من خير، فالفرق كبير بينهما؛
ولنفترض أن دوافعك هي خليط بين هذا وذاك، أي بين دوافع الحسد أحيانا، ودوافع الشعور بعدم العدل أحيانا أخرى، فأقول هنا:
1. من المهم أن نجعل اهتمامنا منصبا على ذواتنا لا على غيرنا، فيكون اهتمامنا منصبا على ما نحققه نحن لا على ما يحققه غيرنا؛ فنحن مسؤولون عن أنفسنا، من حقنا أن نفرح لإنجازاتنا ونحزن لإخفاقاتنا؛ وقد جاء عن رسول الله ﷺ أنه قال: احرص على ما ينفعك وهو توجيه نبوي كريم، يعيد لنا ترتيب الأولويات ليجعل من ذواتنا أولوية عليا، بما في ذلك الحرص على نجاتها من النار والفوز بالجنة.
2. التمييز بين التنافس الشريف وبين الحسد الخبيث أمر مهم، فتحقيق السبق على الآخرين والسعي لذلك، لا يعد من الأمور المعيبة أو الخاطئة، وخاصة عندما تكون في أمور الخير والآخرة، {وفي ذلك فليتنافس المتنافسون}، ولكن عندما يكون سعيي في التفوق على الآخرين، مقرونا بكره أي خير يحصل لهم؛ فهنا أكون قد وقعت في المحظور.
3. تدريب النفس على حب الخير للآخرين مطلب مهم؛ ومن ذلك على سبيل المثال: تعويد النفس على مدح إنجازات الآخرين، ففي ذلك تربية للنفس، وكسر لإرادة الشيطان فيها، وكذلك الدعاء للآخرين في خلواتنا؛ وقد نبدأ بذلك المدح أو الدعاء ونحن كارهون لهذا المدح، ولكن بعد فترة سنكتشف أن هذا السلوك قد انعكس على قلوبنا بالرضا، والفرح الحقيقي للخير الذي يأتي للآخرين.
4. استحضار البعد الشرعي وخطورة الحسد؛ وكونه من كبائر الذنوب المهدد صاحبها بالعقاب الأخروي؛ كل ذلك مما يعظم معه الخوف منه ومن آثاره الخطيرة.
5ـ. الحياة الدنيا ليست الميدان الحقيقي للتنافس؛ وكل ما نحققه أو يحققه الآخرون فيها إنما هو مكسب عابر لا قيمة له، فميدان التنافس الحقيقي هو ما بين يدي الله؛ ولذلك جاء عن رسول الله ﷺ أنه قال: لا حسد إلا على اثنتين: رجل آتاه الله مالا فهو ينفق منه آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، فاختاري الميدان الصحيح للتنافس.
أسأل الله أن يعمر قلبك بما يحب؛ وأن يجعلك من مفاتيح الخير لنفسك وللناس؛ وأن يغلق عنك أبواب الشر.