طيبتي الزائدة أثرت عليّ، فكيف أطور من نفسي وأرتقي بها؟

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

حصلت معي مشكلة استمرت فترة طويلة، وبالمختصر: كنت لا أحسن التعامل الاجتماعي، وبالتالي أتعرض كثيرا للسخرية، ويظهر علي التوتر، وأكثر من مرة يضحك علي أناس لا يعرفونني.

ضمن ذلك كنت منضمة لفريق رياضي في فترة المراهقة، ومجموعة من البنات رأين أنني مختلفة عنهن، فيختبرن ردة فعلي، ويضحكن علي فيما بينهن أو أمامي، واستمر هذا الوضع تقريبا خمس سنوات، وكثيرا ما أرمي اللوم على نفسي؛ لأنني بسبب تصرفاتي الساذجة، كنت أجعلهن يعاملنني بهذه الطريقة، وحينها لم أدافع عن نفسي.

منذ صغري وأنا طيبة لدرجة تذم، والكثير ممن يتعرف إلي كان يمدحني: "أنت طيبة جدا"، وبدلا من تغيير نفسي استمررت على ذلك من كثرة مدحهم، وكنت كذلك في الطفولة بدون أصدقاء لهدوئي المبالغ فيه؛ أي مستبعدة اجتماعيا.

كل هذه الأمور أثرت جدا على ثقتي بنفسي، وعندما سألت عن السبب كانت الإجابة أن شخصيتي الهادئة أو غير الواثقة بطبيعتها وراثية من جانب، وأيضا التنشئة الاجتماعية؛ فإذا تشاجرت مع شخص ما أحسب أن الخطأ مني، ويتبين العكس بعد فواته، لدرجة أن من حولي يدافعون عني وهم لا يعرفونني، كل هذه من سمات شخصيتي.

الآن هذه الأمور أغلبها تخلصت منها، وثقتي بنفسي جيدة، لكن بطريقة أو بأخرى ما زال تأثيرها يسبب لي قلقا اجتماعيا مسبقا، وضربات قلبي تزيد عندما أخرج من البيت، وبعدها أتعامل بشكل طبيعي جدا مع الناس، وما زلت أخشى السخرية أو التكبر من فئة معينة من الناس.

أتمنى أن أتخلص من هذه الأفكار؛ فهؤلاء لا يستحقون أن أعيرهم أي اهتمام، خاصة وأن كثيرين الآن يسعون إلى التعرف إلي، ولدي صديقات جيدات، ومع ذلك حاولت كسر هذا الحاجز بالتعمد في التعامل مع فئات مختلفة من الناس، وتسير الأمور على نحو جيد، لكنني ما زلت غير سعيدة بتلك الأفكار العالقة في ذهني، مهما حاولت تجاهلها!

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ فاطمة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نشكر لك طلب الاستشارة من موقعك المفضل إسلام ويب.

بداية، نود أن نذكرك بأن الله -سبحانه وتعالى- خلق الناس مختلفين في الطباع والأخلاق لحكمة عظيمة؛ فمنهم الاجتماعي، ومنهم الهادئ، ومنهم الجريء، ومنهم الحيي. وهذه الفروق سنة كونية لا تعني نقصا في أحد، بل هي تنوع يثري الحياة، كما أن الشخصية ليست قالبا جامدا؛ فبعض سماتها يكون موروثا، لكن جزءا كبيرا منها يتشكل من خلال البيئة، وطريقة التنشئة، والتجارب التي يمر بها الإنسان.

ومن خلال ما ذكرت، يتضح أن ما مررت به في فترة المراهقة -خاصة أثناء النشاط الرياضي- كان نوعا من التنمر والسخرية غير المقبولة، وليس تقصيرا منك أو ذنبا تتحملينه، وتلك التصرفات كانت انعكاسا لخلل لدى الآخرين لا لعيب فيك؛ ولذلك فلا داعي أبدا لجلد الذات، أو تحميل نفسك مسؤولية ما حدث رغما عنك، خاصة وأنك في تلك المرحلة كنت لا تزالين في طور التكوين النفسي.

والجميل في حياتك –ولله الحمد– أن من حولك يرون فيك إنسانة طيبة، وهذه صفة عظيمة لا تذم، بل تحمد إذا وضعت في إطارها الصحيح، كما أن استعادتك جزءا كبيرا من ثقتك بنفسك تدل على قوة داخلية لديك، وقدرة حقيقية على التعافي والتجاوز، وهذا أمر مبشر جدا.

أما ما قيل لك عن أن شخصيتك وراثية بشكل كامل، فليس دقيقا؛ فمعظم السلوكيات تكتسب من البيئة والتجارب، وحتى ما له جانب فطري يمكن تعديله وتحسينه بالتدريب والممارسة، وما دمت قد قطعت شوطا جيدا في التغيير، فهذا دليل واضح على أن التحسن ممكن ومستمر بإذن الله.

ولا شك أن آثار تلك التجارب قد تترك بعض الرواسب في صورة أفكار أو قلق مسبق، لكن هذه الآثار تضعف تدريجيا مع الوقت، خاصة مع وجود علاقات ناجحة كما هو حالك الآن، وما تشعرين به من تسارع ضربات القلب أو التوجس قبل المواقف الاجتماعية هو أمر مفهوم، لكنه لا يعكس واقعك الحالي بقدر ما يعكس ذكريات قديمة تحتاج إلى إعادة برمجة.

ومن المهم هنا أن تأخذي ببعض الوسائل العملية التي تعينك على تجاوز هذه الأفكار، ومنها:
- الاستعانة بالله والتوكل عليه سبحانه.
- عدم إعطاء تصرفات الآخرين أكبر من حجمها الحقيقي.
- وضع أهداف شخصية تسعين لتحقيقها لتعزيز ثقتك بنفسك.
- تدوين الأفكار السلبية، ثم مراجعتها بعقلانية لتكتشفي ضعفها وعدم واقعيتها.
- الحرص على عدم الاسترسال مع تلك الأفكار أو السماح لها بالسيطرة عليك.
- بناء علاقات مع أشخاص إيجابيين يدعمونك، والابتعاد عن المحبطين.

ويمكنك كذلك تطبيق بعض الخطوات العملية الإضافية، مثل:
- التدرب على تمارين الاسترخاء والتنفس العميق قبل الخروج من المنزل لخفض التوتر.
- التدرج في تعريض نفسك للمواقف الاجتماعية بدلا من تجنبها.
- مكافأة نفسك على كل تقدم وإن كان بسيطا.
- تعلم مهارات "التواصل الحازم"، كالتعبير عن الرأي، ورفض ما لا يناسبك بأسلوب هادئ ورصين.
- إعادة تفسير نظرات الآخرين أو ضحكاتهم بشكل محايد، بدلا من افتراض أنها موجهة ضدك.

ومع الوقت، ستكتشفين أن هذه الأفكار تفقد قوتها شيئا فشيئا، وأن واقعك الحالي أقوى بكثير من ماضيك، وأنك قادرة –بإذن الله– على أن تعيشي بثقة وراحة.

نسأل الله أن يملأ قلبك طمأنينة، وأن يرزقك الثقة والسعادة، وأن يريك أثر قوتك في حياتك واقعا ملموسا.

والله الموفق.

مواد ذات صلة

الاستشارات