السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أعاني منذ فترة من شعور يسيطر علي، ولم أجد له تفسيرا أو جوابا يطمئن قلبي.
ينتابني خوف شديد من القدر، فأنا كسائر الناس لا أعلم ما يخبئه لي المستقبل، ولكن بعد ما مررت به من تجارب، أصبحت أشعر بضعف شديد، وعجز عن مواجهة أي ابتلاء.
لقد مررت بمرحلة فكرت فيها في الانتحار، ولكن -ولله الحمد- تجاوزتها، وأدركت حينها تفاهة تلك الأسباب؛ لأني كنت صغيرة في السن، كما أنني كنت في تلك الفترة بعيدة جدا عن الله في كل شيء، إلا أنني بعد عودتي إلى الله والتزامي، ازداد خوفي بدل أن يخف.
أنا فتاة في السابعة والعشرين من عمري، لا أنوي الزواج ولا أرغب فيه، وهذا قرار لن يتغير لأسباب شخصية جدا، أكبر مخاوفي في هذه الحياة أن أذل لأحد، أو أضطر للاحتياج إليه، أو أن أموت يائسة لأي سبب، خاصة أنني لا أجد فرصة عمل، وكلما حاولت التفاؤل أو إحسان الظن، أتذكر قوله تعالى: (أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون)، فأصبحت حائرة كيف أحسن الظن بالله، وفي الوقت نفسه لا آمن مكره؟
لقد وصلت إلى درجة أنني أخاف من التفاؤل نفسه، وأشعر برعب من الأمل أو توقع الخير؛ لأنني أخشى إن حدث عكس ما أرجو أن أفقد إيماني، لذلك أميل إلى توقع الأسوأ، أو أقول لنفسي: "كل شيء ممكن أن يحدث"، دون أن أعلق قلبي بشيء، فيخفف ذلك عني وطأة تقلب الأقدار.
كما أنني عندما أبتلى لا أشعر بالرضا، بل أكتفي بتقبل الأمر الواقع، وعندما أجبر نفسي على قول: "الحمد لله"، لا أشعر بصدقها في داخلي، ويصيبني خوف شديد من العذاب؛ لأنني إذا سألني الله عما في قلبي أو شعوري تجاه ما يحدث، لن أستطيع الإجابة، إذ أشعر أنني مذنبة وساخطة.
أنا أعيش خوفا وتوترا دائما ومصابة بالوسواس القهري، وهذا الخوف لا ينقطع نهائيا، فإذا حدث شيء صغير يكون بالنسبة لي عظيما، فأتساءل كثيرا لماذا لا أطمئن أبدا، وإذا كنت لا أطمئن في أبسط الأشياء؛ فكيف سأطمئن عند تقلب الأقدار؟
أريد شيئا يغير طريقة تفكيري، فقد بحثت ولم أجد ما يعينني، وأتمنى أن أصل إلى حالة أكون فيها راضية بكل ما يقدره الله لي، حتى لا أكون من الذين سخطوا ولم يرضوا بقدر الله.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ Aisha حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نثمن تواصلك مع موقعك إسلام ويب لطلب الاستشارة، ونؤكد بداية أن الأقدار كلها بيد الله، وأنه سبحانه أرحم بنا من أنفسنا، ولو خير العبد في أقداره لاختار ما اختاره الله له؛ لأنه اختيار قائم على العلم الكامل، والحكمة البالغة، قال تعالى: (وعسىٰ أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم)، وقال النبي ﷺ: (عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير)، فكل ما يقدره الله للمؤمن هو خير في مآله، وإن خفيت حكمته في بدايته.
وما تعانين منه ليس مجرد خاطر عابر، بل هو حالة ممتدة لها جذور نفسية واضحة، خاصة مع ما ذكرته من مرورك سابقا بأفكار انتحارية، وهذا مؤشر مهم على أن الأمر يحتاج إلى عناية متخصصة، ولا يتعارض ذلك أبدا مع الإيمان بالقدر، بل هو من تمام الأخذ بالأسباب التي أمرنا الله بها، فالتداوي من سنن الحياة، وعلاج النفس كعلاج الجسد سواء بسواء.
كما يظهر من وصفك وجود وساوس قهرية تلح عليك وتفسد عليك طمأنينتك؛ فالوسواس القهري يقوم على أفكار متكررة تفرض نفسها على الذهن دون إرادة، وتكون غالبا مبالغا فيها أو غير واقعية، ومع ذلك يشعر الإنسان بقلق شديد بسببها، فيبدأ في تحليلها أو مقاومتها، فتزداد قوة، ومن صورها عندك الخوف المبالغ فيه من القدر، والخشية من التفاؤل، وتوقع الأسوأ دائما، وهذه ليست حقيقة الإيمان، بل هي من إلحاح الوسواس وتضخيمه.
وأما استدلالك بقوله تعالى: (أفأمنوا مكر الله)، ففهمه يكون في سياق التوازن، فالمؤمن لا يأمن مكر الله فيتمادى، ولا يسيء الظن بالله فيقنط، بل يجمع بين الخوف والرجاء، ويحسن الظن بربه، ويعلم أن الله لا يعذب قلبا متعلقا به صادقا في طلب رضاه.
وفيما يخص فكرة الزواج، فالأصل فيه أنه سكن ورحمة، وليس شرا كما قد يصوره لك القلق، فلا تجعلي تجربة أو خوفا حاكما على مستقبلك كله، وإذا تقدم لك صاحب دين وخلق، فانظري في الأمر بهدوء، واستخيري الله، واستشيري من تثقين بهم، ولا تضعي حكما مسبقا بالفشل قبل أن تبدأ التجربة.
وأما عن شعورك بعدم الرضا أو عدم صدق قولك: الحمد لله، فاعلمي أن الله لا يؤاخذ العبد على مشاعر قهرية لا يملكها، وإنما على اختياره وسعيه، ومجاهدتك لنفسك، وحرصك على الرضا، هو في ذاته طاعة عظيمة تؤجرين عليها.
ومن المهم جدا أن تبادري بعرض نفسك على مختص في العلاج النفسي، خاصة في العلاج المعرفي السلوكي، فهو من أنجح الطرق في علاج الوسواس والقلق، وقد تحتاجين – بحسب التقييم – إلى علاج دوائي مساعد، وهذا أمر طبيعي ومفيد.
ومن الوسائل العملية التي تعينك: تجاهل الفكرة الوسواسية وعدم مناقشتها، بل تمريرها دون تفاعل، مع إشغال نفسك مباشرة بعمل آخر، والتدرب على تمارين الاسترخاء والتنفس العميق يوميا لتخفيف التوتر، وكتابة الأفكار المقلقة، ثم الرد عليها بعقلانية، مع التدرج في تعريض نفسك لما تخافين منه بدل تجنبه.
ومن الأمور المفيدة أيضا: تنظيم يومك، ووضع أهداف بسيطة قابلة للتحقيق لتعزيز الشعور بالسيطرة، وتقليل الفراغ الذي يغذي القلق، والمواظبة على الأذكار، خاصة أذكار الصباح والمساء، مع استحضار معانيها، وممارسة رياضة خفيفة، والمحافظة على نوم منتظم، والابتعاد عن العزلة، والاقتراب من صحبة صالحة داعمة.
ومع الاستمرار على هذه الخطوات، ستضعف هذه الوساوس تدريجيا، ويهدأ هذا الخوف بإذن الله، وتصلين إلى حالة من التوازن بين الخوف والرجاء، فتعيشين مطمئنة القلب، راضية بقضاء الله، واثقة بحكمته.
نسأل الله أن يشرح صدرك، ويصرف عنك الوسواس والقلق، ويرزقك الرضا واليقين، ويكتب لك حياة ملؤها السكينة والطمأنينة.
وبالله التوفيق والسداد.