لا أرغب في العمل ومن حولي يحثونني عليه، فما نصيحتكم لي؟

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

أريد السؤال عن مدى وجوب امتلاك الفتاة لعمل، فقد توفي والدي عندما كنت في السابعة عشرة من عمري، ومنذ ذلك الحين وأنا لا أملك رغبات دنيوية -أو ما يسميه البعض "حلما"-، لكني -ولله الحمد- أحاول الزيادة في تعلم ديني وطاعة الله، وأجد أن الرغبات الأخروية هي ما يستحق أن يبذل له التعب.

ولكن منذ أن تخرجت، وكل من حولي يخبرني بضرورة العمل، بدعوى أنني لا أضمن ظروف الدنيا وما قد أتعرض له مستقبلا، غير أنني لا أجد دافعا يجعلني أريد العمل حقا؛ فظروفي المعيشية جيدة ولست بحاجة للمال، وأرى أن الاختلاط بالناس يفسد أخلاقي، كما أرى أن وجهة نظر من ينصحني بالعمل لضمان المستقبل، تنطوي على سوء ظن بالله.

وعندما أخبرهم أنني لا أريد العمل ولا أحتاجه، يقولون إنني لا أملك حلما ويرونني شخصا مملا، فهل فكرتي هي الصحيحة أم هم المصيبون؟ إنني أشعر أنني لو لم أهتم لفكرتهم فقد أندم مستقبلا، فبماذا تنصحونني؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ سلوى حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: 

نشكرك على تواصلك معنا وثقتك بموقعنا.

فهمنا من رسالتك -أختنا الكريمة- أنك تحملين روحا تواقة إلى الله، وقلبا وجد راحته في طاعته وذكره وتعلم دينه، وهذا نعمة ينبغي الحرص عليها، وشكر الله عليها، كما فهمنا أنك تمرين بضغط من المقربين الذين يحثونك على العمل، مما أوجد لديك حيرة حقيقية، تستحق التأمل والتأني.

من قال لك إنك لا تملكين حلما فقد أخطأ في تقديره، فالحلم الذي يسكن قلبك -وهو طلب رضا الله والزيادة من طاعته- حلم أعظم وأسمى من كثير مما يسميه الناس أحلاما، وقد كان أعظم أهل الأرض، ممن بنوا حضارات، ورفعوا علما، وخلفوا أثرا، هم في الحقيقة أشد الناس تعلقا بالله، فلا تأذني لأحد أن يجعلك تشعرين بأن توجهك الديني نقيصة، أو دلالة على فراغ.

المرأة ليست مطالبة بالخروج من المنزل للعمل، ما دامت مكفية بنفقة من تلزمه نفقتها، ولزومها البيت خير لها من الخروج للعمل، ولا يفوتها أجر بالقرار فيه، بل تؤجر على ترك الخروج؛ لأنها مأمورة شرعا بالقرار في البيت؛ لقول الله تعالى: وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى [الأحزاب:33]، قال ابن كثير في تفسيره: وقوله: {‌وقرن ‌في ‌بيوتكن} أي: الزمن بيوتكن، فلا تخرجن لغير حاجة. اهــ.

قال القرطبي في تفسيره: معنى هذه الآية الأمر ‌بلزوم ‌البيت، وإن كان الخطاب لنساء النبي صلى الله عليه وسلم، فقد دخل غيرهن فيه بالمعنى. هذا لو لم يرد دليل يخص جميع النساء، كيف والشريعة طافحة بلزوم النساء بيوتهن، والانكفاف عن الخروج منها إلا لضرورة!؟ اهــ.

والنظر إلى المرأة التي تلزم بيتها نظرة نقص، ووصفها بأنها لا فائدة منها، أو أنها منغلقة؛ كل هذا أثر من آثار التغريب، والغزو الفكري الغربي لبلاد المسلمين، ولا ينبغي للمسلمة أن تلتفت إلى تلك الأصوات الخاطئة، ولتلزم بيتها، وتحافظ على دينها، وما ستفعله في بيتها من تربية أبنائها تربية صالحة؛ خير لها، ولبيتها، ولأمتها.

الأفضل أن تقر المرأة في بيتها طالما كانت مكفية من زوجها أو ممن يعولها، وذلك لتتفرغ للمهمة الأعظم، وهي مهمة تربية النشء الصالح الذي يعمر الأرض، كما يمكن أن تضيف لذلك بعض المهام والأعمال البسيطة، التي تستطيع إنجازها من بيتها.

ومن الأمور التي سوف تعينك بإذن الله: أن تبحثي عن عمل يلامس توجهك الديني لا يناقضه، أو يكون عن بعد، فربما وجدت في تعليم القرآن، أو الإرشاد التطوعي، أو الكتابة الدعوية ما يجمع بين رغبتك في خدمة دين الله، وبين مشاركة معنوية ومادية في الحياة، وهذا يجعل من عملك عبادة متجددة، لا مجرد سعي للرزق.

نسأل الله أن ييسر أمرك، وأن يشرح صدرك، وأن يهديك سواء السبيل.

مواد ذات صلة

الاستشارات