السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أعاني من مشاكل أسرية مع زوجتي وصلت إلى أروقة المحاكم والقضايا من قبل، وقد تزوجت بامرأة أخرى مؤخرا.
عندما علمت زوجتي الأولى بتعرضي لحادث، بادرت بالاتصال للاطمئنان علي، وأنا الآن لا أدري كيف أتصرف؛ فبيننا خمسة أطفال، وأنا ملتزم بإرسال نفقتهم الشهرية.
لقد أخطأت زوجتي في حقي كثيرا؛ فبداية الخلاف كانت عندما اكتشفت أنها تدخن السجائر، وهو أمر يضر بها وبالأطفال، وعندما واجهتها أخطأت في حقي وحق أهلي وقالت "ليس في أسرتكم رجل"، وكان هذا هو أصل الخلاف.
أحتاج إلى نصيحة لوجه الله؛ فخمسة أطفال صغار يعيشون الآن بلا أب ولا خال ولا عم، هل اتصالها بي للاطمئنان وخوفها علي يدلان على رغبتها في العودة؟ وهل أنتظر منها اعتذارا عما بدر منها؟ إنني غير قادر على نسيان ما قيل في حقي، فالأمر مؤلم للغاية.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ عامر حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك -أخي الكريم- في استشارات إسلام ويب، وردا على استشارتك أقول، ومن الله أستمد العون:
أسأل الله أن يصلح حالك، ويلم شملك، ويقر عينك بأبنائك.
ما تمر به ألم أسري مركب من خلافات عائلية، وجرح للكرامة، وأطفال، وحصول زواج بامرأة ثانية، وهذا يحتاج إلى تصرف حكيم بعيدا عن الانفعال، وسوف أجيب على استشارتك من الناحية الشرعية والنفسية والأسرية، وأسأل الله تعالى أن ينفعك بذلك.
أولا: كيف نفهم اتصالها للاطمئنان؟
اتصالها عليك بعد الحادث ليس تصرفا عاديا، بل يدل على أن بينكما رابطة لم تنقطع تماما، وربما بقي في قلبها اهتمام أو مشاعر، أو على الأقل حرص إنساني بسبب العشرة والأولاد، ومع هذا لا يكفي هذا الاتصال لنقول إنها تريد الرجوع، لكنه مؤشر إيجابي.
ثانيا: تشخيص المشكلة القائمة.
ليست المشكلة الحقيقية بينكما أنك اكتشفت أن زوجتك تدخن، وإن كان ذلك خطأ منها، خاصة مع وجود أطفال، ومعالجة مسألة التدخين ممكنة إن وجد وعي ورغبة منها بالترك، لكن هنالك أمور أخرى، منها الإهانة، وهي قولها: ليس في أسرتكم رجل، ولعل هذا هو الذي سبب لك الألم والجرح العميق، فتسبب بهدم الاحترام، وهو أساس استمرار الحياة الزوجية.
يضاف إلى ذلك تصعيد الخلاف ووصوله إلى المحكمة، وهذا يدل أن المشكلة خرجت من إطار السيطرة.
ثالثا: قولك: هل أنتظر حتى تعتذر؟
من حقك أن تغضب للأسباب التي فعلتها زوجتك، ومن الطبيعي أن تتألم، لكن الأمر الأهم الذي يجب أن تراعيه هو: كيف تحافظ على أسرتك، وكيف تحاول ألا ينهدم بيتك؟ فعندك أطفال من هذه الزوجة، وهم الضحية الحقيقية في حال حدوث الطلاق، وفي هذا الحال، لو جعلت رجوع زوجتك مشروطا بالاعتذار، فقد تضيع عليك الفرصة؛ لأنها قد تكون نادمة عما فعلت، لكنها لا تعرف كيف تعتذر، أو أن الكبرياء تمنعها، أو مضغوط عليها من قبل أسرتها.
رابعا: ما الواجب عليك أن تفكر فيه؟
الزوجة قد تعتذر وقد لا تعتذر، لكن ما يجب عليك أن تفكر فيه هو: هل يمكن إصلاح العلاقة بما يحفظ الدين والكرامة والأبناء؟
خامسا: وضع الأطفال.
الأمر المقلق هو أن لديك خمسة أطفال بدون أب حاضر بينهم، وهذا له أثر خطير عليهم من الناحية النفسية والتربوية والسلوكية، فإصلاح العلاقة بينك وبين زوجتك خير لهم من التشتت والضياع.
سادسا: خطوات عملية مهمة.
1- لا تتخذ قرارا وأنت مجروح، فالألم يدفع للانتقام أو القسوة، ويضيع الحكمة.
2- افتح قناة تواصل هادئ مع زوجتك، بحيث تبين لها خطورة الدخول في المحاكم، وخطورة وضع الأبناء، وأنهم سيكونون الضحية فيما لو حصل الفراق، لا تباشرها باللوم والهجوم، ويمكن أن تذكرها بما كان بينكما من المودة وحسن العشرة، وتشكرها على تواصلها للاطمئنان، وأن هذا يدل على حسن أخلاقها وعدم نسيانها للمودة.
3- وضح لها رغبتك في إصلاح ذات البين، وضع بعض الضوابط لذلك، مثل: عدم إدخال الأهل في مشاكلكما فيما لو حدثت، وعدم تصعيدها لتصل إلى المحاكم، وضرورة الاحترام المتبادل، والالتزام بترك التدخين، ولو مبدئيا داخل البيت وأمام الأطفال، مع معالجة الإدمان -إن كانت وصلت لهذه الدرجة-، والعلاج متاح.
4- لا تجعل الألم النفسي الذي أصابك يمنعك من اتخاذ القرار الحكيم السليم، وتصرفك بحكمة قد يكون سببا لرجوع الزوجة، بل لاعتذارها.
5- وضح لزوجتك الأولى أن ما حصل منها دفعك للزواج بثانية، ومع هذا بين لها استعدادك لمراضاتها والعدل بينها وبين الثانية، وعليك أن تكون عادلا، فلا تظلم الثانية إرضاء للأولى، ولا تمل للثانية فتشعر الأولى.
6- ربما يحصل منها موافقة، ولكنها تربط ذلك بأن تتواصل مع وليها، وفي هذه الحالة لا مانع من التواصل معه بهدوء، وتبين له أن الحياة مع زوجتك كانت مستقرة حتى حصل منها ما حصل، فهي من تسبب بحصول هذه المشكلة، ومع هذا يمكن أن نصلح الأمر بعيدا عن المحاكم، فذلك أفضل للطرفين.
7- إذا حصل تفهم من وليها، فقد يضع شروطا فيها شيء من القسوة، فإن لم يمكن التوافق عليها فيما بينكما، فيمكن أن تطلب منها أن تتدخل في تخفيف تلك الشروط حتى تكون مقبولة، فإن لم توافق، ففي هذه الحالة يأتي دور الوسيط الذي يمكنك أن تختاره بعناية، بحيث يكون له كلمة مسموعة لدى وليها، فيستطيع أن يخفف من تلك الشروط حتى تكون مناسبة للطرفين، إضافة إلى شروطك التي ستضعها من أجل عودة الزوجة، واستمرار الحياة.
سابعا: تناسي الإهانة التي حصلت منها.
بإمكانك تأخير مسألة الاعتذار، وتناسي ما حصل لك من الإهانة، فأنت الآن بين نارين: أن تطلب منها الاعتذار، أو تترك أولادك يحترقون، والعاقل يقدم مصلحة أولاده على مصلحته الخاصة، فيمكنك غض الطرف تماما عن مسألة الإهانة وعدم ذكرها، مقابل لم الشمل والحفاظ على أبنائك.
أخيرا أقول لك: العناد يعني المزيد من التشتت، ومن الحكمة أن تسعى لتهدئة الوضع، ثم للصلح، واعلم أن الرجل القوي ليس هو الذي لا يهان، بل هو الذي يمسك نفسه عند الغضب، ويعرف كيف يدير جراحه بحكمة.
أسأل الله تعالى أن يوفقك في لم شمل أسرتك، ويصلح بينكما، ويهدي قلبيكما، ويجعل أبناءك قرة عين لك ولها، ونسعد بتواصلك في حال أن استجد أي جديد.
والله الموفق.