السؤال
السلام عليكم.
منذ 11 سنة أشكو اكتئابا، وقلقا، ووسواسا شديدا يأخذ أشكالا مختلفة كل فترة، وقد هلكت منه، وأشعر بانعدام أي سبب لحياتي، وأني شخص خبيث، ليس لي إلا التعب والهلاك جزاء لي، ومجرد وعيي يتعبني.
في البداية كنت منعزلا تماما في غرفتي لسنوات، وأثناء ذلك ارتددت عن الإسلام، وأصبحت كارها له وللمسلمين، وعشت على الاتصالات الإلكترونية، والآمال والأماني الساذجة، والكثير من المواد الإباحية، واستمر معي الاكتئاب والتعب أثناء ذلك، بل قد وصل آفاقا لم يصلها قبل.
وفي ذات يوم ابتلاني الله بمرض، وتألمت منه، حتى إنني استيقظت من نومي مفزوعا من عذاب الخلد، وقادني ذلك شيئا فشيئا للعودة للإسلام، ولكن استمر معي القلق والوسواس والاكتئاب، لكن أخذ شكلا آخر، وهو الطابع الديني؛ إذ أنه اجتمعت علي عدة أمور، مثل: الناسور، والسلس المتقطع، والصلوات المتروكة، والصلوات المستهتر بشروطها، وكثير من المسائل التي بحثت كثيرا فيها، وقلقت حيالها، وشعرت أني ضائع لا أعرف الإجابات.
كما أن لدي مشاكل في القولون، والريح، وغيره؛ وكل هذا ساعد على تغذية الوسواس القهري الديني الشديد جدا، بل هو أقرب للجنون، وكنت دائما أشعر بالتقصير، والخوف، والقلق من القادم، ومن العبادات، ولكن مع هذا وفقني الله لشيء من الاجتهاد، ويسر لي أموري الدراسية من حيث لا أحتسب، بعد أن كانت متوقفة تماما لسنوات، ولقرابة السنة الآن زاد علي الوسواس في الصلاة كثيرا؛ فأنا لا أستطيع الصلاة، ولدي وسواس في النية أهلكني.
ومؤخرا انكسرت؛ فبعد 3 سنوات من ترك الإباحيات رجعت لدي لذة اشتهاؤها، وشعرت بأني لم أعد أرغب في الصبر عنها مع حالي هذا، ودخلت فيها مجددا، والآن أحاول التوبة، وقد أصبح الوسواس يأتيني ويقول لي: إن توكلي كاذب ما دمت أعصي الله، ويدخل من هذا المدخل ليخرب علي صلاتي، وبت أشعر بأني منافق وكاذب، وأخاف أن أكون كافرا؛ وكل هذا زاد من سلطة الوسواس علي.
حاولت التوبة، والدعاء، والرقية، ولكن حتى الآن لم أنجح، ولا أعرف إلى أي مدى أنوي أن أصبر وأتحمل وأعمل؟! أخشى أن أترك الدين، وقد اجتمعت علي أمور عدة: مشاكل هضمية، ومشاكل تبول، وناسور، ومشاكل نفسية، وكل هذا حقيقة وليس وسواسا، وأشعر أني لا أتعامل معها كما يجب.
كل صلاة لا أدري إن كنت سأصليها أم سيغلبني الوسواس، وأخاف أن أترك الدين؛ فأنا لا أفهم حياتي، ووعيي ذاته يتعبني، والأمل يتعبني، أشعر أن نفسي خبيثة، ولا يخرج مني إلا الخبث، وليس لي إلا الهلاك، وقد جربت المستشفيات، ولكن كانت صعبة جدا، وأحاول أن أكثر من ذكر الله.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ عبدالله حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك -ولدنا الحبيب- في استشارات إسلام ويب، نشكر لك تواصلك بالموقع.
وبداية: نسأل الله تعالى بأسمائه وصفاته أن يمن عليك بالشفاء من كل ما تعانيه من الأمراض والأسقام، وأن يعجل لك بالعافية.
وقبل أن نخوض في الكلام عن كيفية مقاومة هذه الوساوس التي ابتليت بها؛ نود -أيها الحبيب- أن نضع بين يديك بعض الأحاديث النبوية التي أخبر بها النبي ﷺ، وواسى بها كل مريض، ومن شأن هذه الأحاديث أن تزرع في قلبك السرور والفرح، وتعلم أن ما أصابك الله تعالى به من الأسقام والأمراض إنما قدره عليك لحكمة عظيمة، وأن هذه الأقدار وإن كانت مكروهة، لكن في طياتها منحا كبيرة من الله تعالى.
فينبغي أن تتذكر -أيها الحبيب- أن المرض يقدره الله تعالى على الإنسان لحكمة، ومن هذه الحكم: أنه يبلغه بصبره على هذه الآلام والأمراض منازل ما كان سيبلغها بمجرد عمله وحده، وقد قال الرسول ﷺ: إن العبد إذا سبقت له من الله منزلة، لم يبلغها بعمله، ابتلاه الله في جسده، أو في ماله، أو في ولده، ثم صبر على ذلك حتى يبلغه المنزلة التي سبقت له من الله عز وجل [رواه الإمام أحمد وغيره، وهو حديث صحيح].
ومن الحكم -أيها الحبيب- أن الله تعالى يكفر عن الإنسان الخطايا، والذنوب، والسيئات بما يصيبه به من أنواع المكروهات، فقد قال الرسول ﷺ: ما يصيب المؤمن من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه.
ولو ذهبنا نتتبع الأحاديث الكثيرة التي ذكر فيها النبي ﷺ فوائد المرض، لطال بنا المقام بما لا يتسع له الجواب المختصر في مثل هذا الحال الذي نحن فيه، ولهذا نقول -أيها الحبيب-:
ينبغي أن تتفاءل، وأن تحسن ظنك بالله تعالى، وأنه لم يقدر عليك شيئا من الأمراض إلا وهو أرحم بك من نفسك، وأعلم بمصالحك، ومع هذا كله فأنت مأمور بالأخذ بالأسباب لمدافعة هذه الأقدار المكروهة؛ فأقدار الله تعالى يدفع بعضها بعضا كما قال عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه-: "نفر من قدر الله إلى قدر الله"، وقد أمرنا رسولنا الكريم ﷺ بالتداوي فقال: ما أنزل الله داء إلا وأنزل له دواء، علمه من علمه، وجهله من جهله، فتداووا عباد الله.
فخذ بالأسباب -أيها الحبيب- ولا تيأس، واعلم أن الله تعالى يقدر المقدور إلى أمد، فاصبر حتى يأتي الله تعالى بالفرج من عنده، وهذا بالنسبة للأمراض والأوجاع الحسية التي تشعر بها في القولون ونحوه مما ذكرت في سؤالك.
أما الوسوسة على وجه الخصوص: فأنت مأمور بمدافعتها عاجلا، ولا يصلح أبدا أن تستسلم لها، ولا أن تتفاعل معها، فأنت مأمور بالأخذ بالأسباب الروحية النفسية الشرعية لمدافعة هذه الوساوس، مع التداوي، والأخذ بالأسباب الحسية المادية.
فالنوع الأول -وهو العلاج النفسي الروحي لهذه الوساوس-: هو اتباع الإرشادات النبوية التي أرشد إليها النبي ﷺ الإنسان الموسوس، وأنت بحاجة إلى أن تصبر عليها، وأهم هذه التوجيهات الالتهاء عن الوساوس؛ وذلك يكون بتحقيرها، وعدم التفاعل معها، ولا تظن أنها شيئا يستحق الاهتمام والاعتناء، أو أنها احتياط للدين؛ فهذه كلها خدع شيطانية يريد من خلالها أن يبغض إليك العبادة، ويثقلها عليك، فلا تلتفت لهذه الوساوس على الإطلاق.
تعامل مع الأمور بيسر وسهولة؛ فإن الدين يسر، كما قال الرسول ﷺ، والله تعالى في آية الوضوء يقول: {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم}.
فتجاهل هذه الوساوس؛ فإذا توضأت لا تلتفت إلى أي وسوسة تأتيك بأن وضوءك ناقص أو نحو ذلك، وإذا جاءتك وساوس بأن الشيء تنجس لا تلتفت إلى هذه الوساوس، وهكذا استمر على هذا المنهج، وحاول تحقير هذه الوساوس، وعدم المبالاة بها، مع الإكثار من ذكر الله تعالى؛ فإن الذكر حصن حصين يتحصن به الإنسان، والاستعاذة بالله تعالى كلما داهمتك الأفكار الشيطانية الوسواسية، ولا تلتفت إليها، وإن قالت لك بأنك منافق، أو كاذب، أو يخشى عليك الكفر، فكلها حيل شيطانية يريد من خلالها أن يزرع في قلبك الحزن، فلا تلتفت لذلك كله، ومع هذا خذ بالأسباب المادية، واعرض نفسك على طبيب نفسي؛ فقد يصف لك من الأدوية ما يعينك على التخلص من هذه الوساوس.
نسأل الله تعالى أن يقدر لك الخير، وأن يصرف عنا وعنك كل سوء ومكروه.
_____________________________________________
انتهت إجابة الشيخ الدكتور/ أحمد الفودعي -مستشار الشؤون الأسرية والتربوية-.
وتليها إجابة الدكتور/ محمد عبد العليم -استشاري أول الطب النفسي وطب الإدمان-.
_____________________________________________
أخي: رسالتك في الحقيقة تحمل أهمية خاصة؛ لأنك -كما أوضحت- أصبت بوساوس واكتئاب منذ الطفولة المتأخرة، وطبعا وبلا شك فإن مرحلة التكوين هذه قد اختلت كثيرا؛ لأن الاكتئاب والوسوسة قد هيمنتا عليها، ومن الواضح أنك قد فقدت الطريق السليم في تلك المرحلة، وهي مرحلة عمرية هشة، تكثر فيها سرعة التأثيرات، والانجراف نحو ميولات لا يرغب فيها الإنسان، وتتصادم مع منظومة الفضائل لديه.
فمثلا: أنت ذكرت أنك قد ارتددت عن الإسلام في تلك الفترة، وأصبحت كارها له وللمسلمين، طبعا أنا أقدر تعبيرك هذا، لكن لا أعتقد أنك قد وصلت لهذه المرحلة من الخروج عن الدين وعن الملة -أخي الكريم-؛ لأن هذا أمر فظيع، قد تكون أنك تقاعست عن عبادتك، وقد تكون أصبحت لديك مفاهيم سلبية جدا عن الدين وعن المسلمين، لكن لا أريدك أبدا أن تعتقد أنك قد ارتددت عن الإسلام، أرجو ذلك.
وأن قصة النزاع هذه استمرت معك -على ما أعتقد- لفترة طويلة، وحتى الآن أنت تعيش في تضارب شديد فيما يتعلق بما هو حقيقي، وما هو غير حقيقي، وما هو وسواسي، وما هو غير وسواسي، وهكذا، وأعتقد أن جانب الشعور بالذنب، والألم النفسي الذي ينتابك هو ناتج من نفسك اللوامة، والنفس اللوامة هي نفس مطلوبة، ونفس إرشادية؛ لأنها تقودنا نحو الصواب، وذلك من خلال تحكمها في النفس الأمارة بالسوء.
أخي الكريم: أنا أعتقد أنك -إن شاء الله- بخير؛ فبعد كل هذه التنازعات، وهذه الخبرات المرضية النفسية التي اكتسبتها، يجب أن تقرر وبيقين تام ومطلق، أنك على الطريق الصحيح الذي يجب أن تسير فيه، وأنت لديك المقدرة، كما أريدك من خلال الخبرات السابقة هذه أن تعزم أنك سوف تكون على طريق الجادة، وستكون على طريق الدين الصحيح -إن شاء الله تعالى-، ويكون ذلك عمليا.
أولا: يجب أن تكون في بيئة تساعدك على الاستقرار النفسي، والاستقرار الديني، والاستقرار الإسلامي؛ لأنه من المهم جدا وجود هذه البيئة، حتى وإن كنت تعيش في أمريكا مثلا، فسوف تجد الشباب المسلم، وسوف تجد الأصدقاء، والتواصل عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي، وأن تربط نفسك بمسجدك في منطقتك، وأن تكون دائما قريبا من إمام ذلك المسجد، وهكذا، فأنت تحتاج لبيئة، وهذه البيئة هي التي سوف تساعدك على الاستقرار، ومن خلالها -إن شاء الله تعالى- تبدأ هذه الأفكار السلبية، والأفكار الوسواسية، والأفكار المتناقضة في الضعف حتى تزول تماما -إن شاء الله تعالى-.
أخي الكريم: يجب أن تستفيد مما نسميه بقوة الآن؛ وأن تقرأ كتاب "إيكهارت تول" (Eckhart Tolle) الذي يسمى "قوة الآن" (The Power of Now)، وهو كتاب جيد جدا، وكتب بصورة ممتازة، فإذا كنت مجيدا للإنجليزية، فبإمكانك أن تقرأ النسخة الأصلية، وإن لم تكن كذلك فتوجد ترجمات عربية.
أهمية الكتاب تأتي في أنه بالفعل يوصلك إلى قناعة أن الحاضر هو الأقوى، وأن الحاضر هو الذي نستطيع من خلاله أن نتغير؛ لأننا نستطيع أن نقود الحاضر، ونستطيع أن نفصل الحاضر، ونستطيع أن نضع طريقا لحياتنا، ونحدد أهدافنا، أما الماضي فلا يمكن بالطبع، والماضي عبارة عن تجربة وخبرة يستفاد منها.
وإذا كان الحاضر قويا، وثابتا، وإيجابيا، فقطعا -بحول الله- سوف يكون المستقبل أيضا إيجابيا وقويا؛ لأن الحاضر هو ماضي المستقبل، فخذ بهذه النظرية، واجعل لحياتك معنى، وخطط مهما كانت الأعراض موجودة، ويجب أن تخطط لأهدافك، وأن تضع الآليات التي توصلك إليها.
الوساوس يجب أن تحقر، يجب ألا تناقش، يجب أن يتم تجاهلها تماما، ويجب أن تصرف الانتباه عنها، ومن الأشياء الضرورية التي يجب أن تتعلمها هي حسن إدارة الوقت.
كما أنك محتاج لعلاج دوائي، ولا شك في ذلك، ومن أفضل الأدوية عقار يسمى: "سيرترالين - Sertraline" والذي يعرف تجاريا باسم: "زولفت - Zoloft"، والذي ربما تجده تحت مسميات أخرى.
ابدأ بنصف حبة، أي (25 ملجم) يوميا لمدة 4 أيام، ثم اجعلها حبة واحدة يوميا لمدة شهر، ثم اجعلها حبتين يوميا لمدة 3 أشهر، ثم اجعلها حبة واحدة يوميا لمدة 4 أشهر، وهذه الجرعة الوقائية التي يجب أن تلتزم بها تماما، وطبعا بكل الجرعات السابقة، وللمدة المطلوبة.
بعد انقضاء الأربعة أشهر هذه خفض الجرعة إلى نصف حبة يوميا لمدة أسبوعين، ثم اجعلها نصف حبة يوما بعد يوم لمدة أسبوعين، ثم توقف عن تناول الدواء.
هذا الدواء يدعم بدواء آخر يسمى "أريبيبرازول - Aripiprazole"، أريدك أن تتناوله بجرعة (5 ملجم) يوميا، وهذه جرعة صغيرة جدا، تناول الدواء لمدة 3 أشهر.
كلا الدواءين من الأدوية الفاعلة، والسليمة، وغير الإدمانية، وهي من أفضل الأدوية التي تحسن المزاج، وتعالج الوساوس، والمخاوف، والتوترات.
أشكرك كثيرا على رسالتك هذه، وأسأل الله لك العافية، والشفاء، والتوفيق، والسداد.