السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أحتاج إلى استشارة لترميم شتات نفسي، أنا طالبة حقوق، طموحة ومجتهدة، لكنني أعيش صراعا داخليا مريرا، يجمع بين الندم على الماضي والخوف من المستقبل.
تكمن مشكلتي في علاقة شخصية مع شاب كنت أراه أماني وسندي، لكنني صدمت بتناقضات كبيرة في مواقفه؛ فقد كان يعدني بالبقاء والحماية، ثم يختفي ويقابل احتياجي له بالبرود والصدود في أصعب لحظاتي.
هذا التذبذب جعلني أعيش حالة من "عدم الأمان"، مما دفعني للتصرف بطريقة لا تشبهني؛ حيث لجأت لاختلاق قصص وممارسة ضغوط معينة، فقط لأختبر تمسكه بي، أو لأحمي كرامتي من انسحابه المتوقع.
أنا الآن أمر بمرحلة "جلد ذات" قاسية جدا؛ أشعر بالندم الشديد؛ لأنني انحدرت لمستوى من التعامل لا يليق بي كإنسانة واعية، وأشعر بالذنب لأنني عدت لأخطاء كنت قد عاهدت نفسي على تركها.
هذا الشعور بالذنب يتبعه خوف من المستقبل: هل سأظل هكذا؟ وهل سأفقد السيطرة على قراراتي دائما بسبب العاطفة؟ أجد نفسي في دوامة: (خطأ بسبب الخوف ← ندم شديد ← عودة للخطأ بحثا عن الأمان ← ندم أكبر).
كيف أتحرر من التعلق بشخص يستنزف كرامتي ويشعرني بالنقص؟ وكيف أتوقف عن لوم نفسي على أخطاء كان الدافع خلفها هو الخوف والبحث عن التقدير؟ أريد طريقا لاستعادة سكينة قلبي، والثبات على مبادئي دون أن تهزني تقلبات الآخرين.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ أم لارا حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك أختنا الكريمة في استشارات إسلام ويب. أود أن أشيد أولا بتفكيرك المنظم، وأسلوبك البلاغي الرفيع، والذي أوصلت من خلاله أفكارك، وعبرت بصورة واضحة عما تريدين السؤال عنه، والاستشارة بخصوصه، مما يدل على عقل راجح، وشخصية واعية، واعترافك بالخطأ، وعدم كتمان شيء مما حدث هو أول خطوة لحل المشكلة، فبارك الله فيك، ووفقك لما يحبه ويرضاه.
وردا على استشارتك أقول مستعينا بالله تعالى: لقد قرأت استشارتك بتمعن، ورأيت أن الإجابة عنها ينبغي أن تكون من ثلاثة محاور: شرعي، ونفسي، وتربوي.
أولا: الفهم الصحيح لما حدث لك.
من الأخطاء التي وقعت فيها أنك بنيت علاقة مع شاب خارج إطار الزوجية، هذه العلاقة وصلت بك إلى درجة التعلق المقلق، ومعناه أنه كلما ابتعد الطرف الآخر ازددت تعلقا به، وهذه نتيجة حتمية لهذه العلاقة، والشرع ما نهى عن مثل هذه العلاقات إلا لما فيها من المفاسد.
الخطأ الثاني: أنك حاولت تعويض الأمان بطرق غير صحيحة، كالاختبار والضغط والتمسك الزائد، فبدلا من أن تغلقي هذه العلاقة من أجل الله، وتستغفريه عما بدر منك، قمت بهذه الأفعال رغبة في التمسك بذلك الشاب.
ثانيا: سبب هذا التألم الشديد.
السبب أنك تعيشين في ثلاث دوائر متداخلة، وهي: أولا: حصول جرح في العلاقة، والمتمثل بالخذلان والبرود العاطفي والاختفاء، وثانيا: لوم الذات، وثالثا: الخوف من التكرار.
هذه الأمور الثلاثة أدخلتك في حلقة من الخوف والتصرف الخاطئ والندم والضعف.
ثالثا: الحكم الشرعي.
• هذه العلاقة العاطفية غير المنضبطة التي أقمتها مع ذلك الرجل لا ترضي الله، واستمرارها يزيد الألم.
• يجب عليك أن تتوبي توبة نصوحا، فتقطعي تلك العلاقة فورا دون أي مقدمات، ومن تاب تاب الله عليه.
• لا تجعلي هذه الذنوب حاجزا بينك وبين بداية جديدة تستقيمين فيها على دين الله، ورزقك سيأتيك، ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب، ولعل في انصراف الرجل عنك خيرا لك في دينك ودنياك.
رابعا: كيف تتحررين من التعلق؟
1- لا يمكنك أن تشفي وأنت لا زلت متواصلة معه أو تبحثين عنه، فاقطعي مصدر الاستنزاف الذي يستنزف عاطفتك ونشاطك، فلا تتواصلي معه، ولا تبحثي عنه، ولا تتابعي صفحاته في وسائل التواصل، ولا تسمحي له بالوصول إليك؛ فالعلاج يبدأ من القرار الشجاع لا من المشاعر.
2- افهمي الحقيقة بوضوح؛ فالشخص الذي يعطيك وعودا ثم يخلف ويختفي لا يمكن أن يكون ثابتا في وقت حاجتك، ومثل هذا لا يمكن أن يكون ملاذا وأمانا، فأنت لم تخسريه في الحقيقة، بل انكشفت لك حقيقته.
3- الكرامة أن ترفضي من لا يقدرك ولا يقدر مشاعرك بقلب مطمئن، وليست في أن يتمسك بك شخص متردد، ولعله كان له مأرب من بناء علاقة معك، فلما لم يجده ولى وانصرف واختفى.
خامسا: توقفي عن جلد الذات.
فأنت مسؤولة عن التوبة والاستقامة، لا عن معاقبة نفسك، فما حدث منك كان زلة ونزغة من الشيطان، وكلنا ذوو خطأ، والعلاج ليس في جلد الذات، وإنما في تقويم النفس، والاستفادة من هذا الخطأ، والعزم على عدم العودة لمثله.
الفتاة المسلمة عزيزة مطلوبة، فلا تذلي نفسك بأن تصبحي ذليلة طالبة، ومن أراد الزواج بك حقا؛ فليأت البيوت من أبوابها.
سادسا: برنامج عملي يسير كي تستعيدي الثبات
1- العناية بالروح هي أساس الثبات والقوة، فنوصيك بالمحافظة على الصلوات الخمس في أوقاتها؛ فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، والإكثار من نوافل الصلاة والصيام وتلاوة القرآن الكريم، ففي ذلك انشراح للصدر، وثبات للقلب، وراحة للنفس.
2- حافظي على أذكار اليوم والليلة في أوقاتها، بعد صلاة الفجر وبعد العصر، ففي ذكر الله طمأنينة للقلب، كما قال تعالى: "ألا بذكر الله تطمئن القلوب".
3- نوصيك بالتضرع بالدعاء بين يدي الله تعالى، مع تحين أوقات الاستجابة، وخاصة في الثلث الأخير من الليل وأثناء السجود، وسلي الله تعالى الثبات والاستقامة، وأن يهيئ لك من أمرك رشدا، وأن يرزقك الزوج الصالح الذي يكون لك سندا في هذه الحياة، ويعينك على دينك ودنياك.
4- الزمي الاستغفار، وأكثري من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، فذلك من أسباب تفريج الهموم وتنفيس الكروب، ففي الحديث: (من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجا، ومن كل هم فرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب)، وقال لمن قال له: أجعل لك صلاتي كلها؟: (إذا تكفى همك ويغفر لك ذنبك).
5- دعاء الكرب مفيد في كل الأحوال، وهو: "لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم".
6- لا تنفردي بنفسك، بل عيشي مع أفراد عائلتك؛ فالانفراد مدعاة للتفكير واستعادة الذكريات، والشيطان الرجيم يأتي ليذكرك ويحزنك؛ لأنه لا يريد أن يراك مستقيمة ثابتة.
7- أشغلي نفسك في الأمور النافعة، فأنت لا زلت طالبة، فركزي على دراستك، وطوري نفسك، ونمي علاقتك مع زميلاتك المستقيمات المجدات؛ فالرفيق الصالح عون في هذه الحياة.
سابعا: أهم نقطة يجب أن تفهميها.
أن الأمان لا يبنى على شخص متقلب، بل على إيمانك، واحترامك لنفسك، واختيارك الصحيح لشريك الحياة من خلال التيقن من الصفات التي يحملها، والتي ركز عليها النبي صلى الله عليه وسلم، حيث قال: (إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير)، فالدين والخلق صفتان متلازمتان لا تنفكان أبدا، وهما صمام أمان للحياة الزوجية السعيدة، وصاحب الدين والخلق إن أحب زوجته أكرمها، وإن كرهها سرحها بإحسان.
ختاما أقول لك: يمكنك الخروج من هذه الحالة، وما تشعرين به أمر طبيعي، ولن تبقي هكذا إذا فهمت نفسك وعالجت السبب، فأنت لست ضعيفة، بل ناضجة وواعية، بدليل أنك تبحثين عن الحل.
أنت كما ذكرت في استشارتك طالبة في كلية الحقوق، أي أنك تؤمنين بالعدل، وأي عدل أفضل من العدل مع النفس؟ فإياك أن تظلمي نفسك بالجلد القاسي، واتركي هذه العلاقة التي بنيت على خطأ يخالف العدل مع النفس؛ ولأنها لا تليق بك، كونك تدرسين الحقوق، وتريدين أن تكوني أنموذجا للعدل.
أسأل الله تعالى أن يرزقك العزيمة على الرشد، وينير دربك، ويمدك بالقوة، ويرزقك الاستقامة والثبات على دينه، إنه سميع مجيب.