السؤال
السلام عليكم، أرجو نصحي وإرشادي.
لقد كنت -ولله الحمد- منذ فترة ليست بالبعيدة، من المداومين على الصلاة، بعد معاناة وجهد كبيرين، للمواظبة عليها وعدم تأخيرها.
الآن -بفضل الله- أنا من المحافظين عليها وعلى النوافل، ولكنني منذ انقضاء شهر رمضان وأنا أشعر بفتور شديد؛ حيث أصبحت أؤخر صلاة العشاء إلى منتصف الليل في أغلب الأوقات، ولم أستطع العودة لقيام الليل، رغم أنني كنت قبل رمضان ملتزمة به تمام الالتزام.
ما أصابني الآن يملؤني بالخوف؛ أخشى أن يكون غضبا من الله علي، وينتابني قلق شديد كلما فكرت في تأخيري للصلاة وتركي للقيام، حتى إنني تأخرت في متابعة طلب العلم الشرعي، ضمن البرنامج الذي سجلت فيه.
أحاول تدارك ما فاتني، وأتساءل: هل ارتكبت ذنبا أوصل حالي إلى ما هو عليه الآن؟ وما هو التفسير لما يحدث لي؟ فأنا لا أعرف حقا ماذا أفعل!
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ ليلى حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك ابنتنا الكريمة في "استشارات إسلام ويب"، وجوابي لك كما يلي:
أولا: ما أجمل أن يعترف الإنسان بخطئه، فيعود إلى الطريق الصحيح، ويثوب إلى رشده تاركا تلك العثرات والمعاصي، ليقبل على رب رحيم كريم يقبل توبة التائبين.
قد يبتلى المرء بتعب نفسي، فيظن أن ما ألم به هو علامة على عدم قبول توبته، أو أن الله قد غضب عليه؛ وهذا تفكير خاطئ، بمجرد أن يتوب الإنسان إلى ربه توبة نصوحا، فإن الله هو التواب الرحيم، فلا تيأسي؛ فإن الله تعالى قال: {قل يا عبادي الذين أسرفوا علىٰ أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ۚ إن الله يغفر الذنوب جميعا ۚ إنه هو الغفور الرحيم} [الزمر:53]، وقال سبحانه: {وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون} [الشورى:25]، بل إن الله -من سعة رحمته وكرمه- يفرح بتوبة عبده، كما في حديث أنس -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ: لله أفرح بتوبة عبده حين يتوب إليه....
فكم نحن سعداء بأن لنا خالقا كريما، يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، -سبحان الله- كما أن ذنوبنا لا تتوقف صباحا ولا مساء؛ فإن الله يفتح أبواب التوبة في كل وقت وحين؛ فلا تيأسي من روح الله، وأحسني ظنك به سبحانه.
ثانيا: ابنتنا الكريمة، لا شك أن للصلاة قدرا عظيما عند الله عز وجل، فهي الصلة بين العبد وربه، فإذا قطعها العبد قطع علاقته بخالقه، الصلاة أعظم العبادات بعد التوحيد، وقد أمر الله بالمحافظة عليها فقال: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطىٰ وقوموا لله قانتين} [البقرة:238]، وأمر بإقامتها فقال: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة}، وقد فرضت ليلة الإسراء خمس صلوات في اليوم والليلة، وقال النبي ﷺ: خمس صلوات كتبهن الله على العباد، فمن جاء بهن ولم يضيع منهن شيئا استخفافا بحقهن، كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة [رواه أبو داود والنسائي]، وفي حديث آخر: من حافظ عليها كانت له نورا وبرهانا ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نورا ولا برهانا ولا نجاة، فأمر الصلاة عظيم، ولابد أن تتوبي إلى الله، وتوقفي نفسك محاسبة إياها على تفويتك لبعض الأوقات.
ثالثا: لا ريب أن المداومة على الصلاة تحتاج إلى مجاهدة، قال تعالى: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ۚ وإن الله لمع المحسنين} [العنكبوت:69]، وقال: {يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة ۚ إن الله مع الصابرين} [البقرة:153] فعليك بمجاهدة نفسك لأداء جميع الصلوات في مواقيتها، والاستمرار في ذلك حتى تصير الصلاة قرة عين لك، وسر لذة روحك وبهجة نفسك، وستشعرين حينها بخفة ونشاط وسرور، كما قال ﷺ: وجعلت قرة عيني في الصلاة.
وإذا طرأ على الإنسان فتور، فإنه يحتاج إلى كثرة الاستغفار والمجاهدة للحفاظ على الفرائض، مع الإكثار من الدعاء، لاسيما: اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، واللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك.
رابعا: من الأمور المستحسنة لإذهاب الفتور والتكاسل هو تذكر عظمة الله تعالى، وقراءة سير الصالحين والصالحات، وكيف كانت حياتهم مع الله سبحانه وتعالى.
خامسا: لا داعي للخوف من أن يكون غضب الله قد حل عليك بسبب هذا الفتور؛ فالمؤمن قد يبتلى بمثل ذلك، فيحتاج إلى مدافعة وعمل بالأسباب؛ لاسترجاع النشاط الذي كان عليه في رمضان، وبإذن الله تعودين إلى نشاطك العلمي الذي سجلت فيه، وعليك باجتناب "ذنوب الخلوات"؛ فإنها قد تبعد العبد عن ربه.
وفي الختام: أسأل الله تعالى أن يبعد عنك الفتور والتكاسل، ويبدله تمسكا ونشاطا ومحافظة على الصلاة، اللهم آمين.