السؤال
السلام عليكم.
حتى لا أطيل في الكلام، منذ سنة و8 أشهر توفي والدي -رحمه الله-، وكنت -للأسف- شديد عليه، وإلى الآن أنا نادم، لقد كان مريضا بالسرطان، ولذلك كنا كل يوم نذهب إلى المستشفى، وكان بيننا خلافات قبل مرضه، ولم أكن أهتم به أبدا، وكنت أذهب كل يوم معه إلى المستشفى، ولكن كنت متضايقا طوال الوقت، مع أنني كنت أحبه من داخلي، وفي يوم كان يأخذ الكيماوي، جلس 12 ساعة لوحده، ولم أرض أن أجلس معه.
أنا لا أستطيع أن أسامح نفسي إلى الآن، ومتأثر جدا، وفي ساعة وفاته لم يكن هناك اهتمام من المستشفى تجاهه أبدا، وتوفي ولم أكن معه، أعلم أن هذا أجله، وأن هذا قضاء ربنا، ولكن في داخلي شعور بأنه كان من الممكن أن يكون هناك اهتمام أكثر مني أو من المستشفى.
ومنذ وفاته وحياتي تتحول من سيئ للأسوأ، ولا تتحسن أبدا، هو توفي في شهر 8 سنة 2025، وفي شهر 9 فتحت مشروعا بأموال أمي، بمبلغ 120 ألف جنية، وبعدها بفترة قليلة جدا خسرت المبلغ تماما، ولم أخبر أمي حتى الآن؛ حتى لا يغمى عليها، وقد كنت أريد بذلك المشروع جمع المال؛ لأني أنا الوحيد مع أمي الآن، وليس معها أحد، ولكن لا أدري لماذا لا تمشي أموري، وفي نفس الفترة بالضبط خسرت عملي، وخسرت الرياضة التي كنت أحبها، وخسرت أعز صديق لي بسبب تافه، وخسرت كل من حولي، وحاليا أنا معزول تماما، وقد كنت أصلي قبل وفاة أبي، ولكنني الآن قطعت الصلاة تماما.
جزء مني يقول: لماذا يا الله تفعل معي هذا؟! وجزء مني يقول: هذا اختبار من الله، ولكن كل حياتي اختبارات، ولا أدري ماذا يحصل؟ حياتي كلها مدمرة، وقد فكرت في الانتحار، ولا أدري ماذا أفعل؟
أنا لا أطلب من أحد أن يحن علي، أنا أريد إجابة، لماذا يحصل كل ذلك؟ هل هو بسبب غضب الله علي من أجل والدي؟ أو من أجل شيء آخر؟
شكرا لكم جميعا.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ مهند حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أهلا بك في موقعك، ونسأل الله أن يربط على قلبك، وأن يرحم والدك رحمة واسعة، وأن يبدل حزنك سكينة، ويجعل ما تمر به طريقا لرجوعك، وسوف نجيبك من خلال ما يلي:
1- حين يضيق صدرك من تتابع الأحداث عليك تذكر أن هذه الدنيا لم تجعل موضع راحة كاملة، بل ميدان امتحان تتعاقب فيه الأحوال، قال تعالى: (الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا)، والابتلاء ليس علامة رفض، بل أسلوب تربية، يمر به الغني والفقير، والقوي والضعيف، وما من إنسان إلا ويأخذ حظه من ذلك.
بيد أن كل إنسان يحمل هما؛ يراه أثقل الهموم وأشدها، ولو كشف له ما عند غيره لهان عليه ما يجد، فهناك من يستيقظ على ألم لا ينقطع، ومن فقد أهله دفعة واحدة، ومن يعيش خوفا لا يفارقه، ومن يدفع مرضا عن نفسه لا يرجى الشفاء منه، ومع ذلك الكل يمضي لأنها دنيا، واليقين الذي يحمل المؤمن في صدره أن اختيار الله خير من اختيار النفس، كما قال -صلى الله عليه وسلم-: عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير؛ فحين ترى ما يجري لك من هذا الباب، يتحول السؤال من (لماذا أنا؟) إلى (كيف أغير حالي، وكيف أكون من الصابرين؟) وهذا هو الفارق بين المؤمن الحق وغيره.
2- شعورك بالذنب تجاه والدك دليل حياة قلبك، ولو لم يكن في قلبك خيرا ما تألمت، لكن الشيطان يريد أن يحول هذا الألم إلى يأس، والصحيح أن تحوله إلى توبة وعمل صالح.
3- باب البر بوالدك لم يغلق، بل تغير؛ فاجعل له نصيبا دائما من الدعاء والصدقة، فقد قال -صلى الله عليه وسلم-: إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: .. أو ولد صالح يدعو له، هذا ينفعه أكثر من وجودك معه في لحظات مضت.
4- لا تحمل نفسك مسؤولية موته؛ فالأجل بيد الله، قال تعالى: (فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون)، وما حدث كان سيقع في وقته، فلا تعذب نفسك بما لا تملكه، بل عليك بما تملكه، وهو صلاحك، وبرك به، وبمن كان يحبهم.
5- تتابع الخسائر قد يكون له أسباب منطقية، وخاصة مع ما يمر به عالمنا، وقد يكون مع ذلك كثرة الاضطراب الداخلي:
- حزن شديد.
- تأنيب ضمير.
- فقدان توازن.
هذا بلا شك ينعكس على القرارات والحياة، فلا تفسره على أنه غضب من الله.
6- الله أرحم بك من نفسك، وهو يوقظك بالابتلاء ليعيدك لا ليهدمك، وهو القائل: (وهو الذي يقبل التوبة عن عباده)، فأمل في الله الخير.
7- تركك للصلاة زاد الألم؛ لأنك قطعت باب السكينة، فابدأ بالرجوع ولو بخطوة صغيرة، قال تعالى: (ألا بذكر الله تطمئن القلوب).
8- موضوع المال لا تتركه يكبر داخلك: ابحث عن طريقة حكيمة لإخبار والدتك، أو استعن بشخص عاقل تثق به؛ فكتمانه سيزيد الضغط عليك.
9- العزلة تزيد الألم، فاكسرها: بصديق صالح، أو قريب، أو حتى بيئة جديدة، ولا تبق وحدك مع أفكارك.
10- فكرة الانتحار ليست حلا، بل هروب يزيد الألم، وقد حذر النبي -صلى الله عليه وسلم- منها؛ فالانتحار من أكبر الكبائر، وقد قال الله جل وعلا: (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا)، وقال النبي ﷺ: (من قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة)، فالانتحار من أقبح الكبائر.
11- خطوات عملية تبدأ بها:
- صلاة ثابتة.
- خروج يومي من البيت.
- نشاط بدني.
- تقليل السهر.
- تنظيم يومك.
12- اجعل لوالدك عملا يوميا:
- دعاء.
- صدقة.
- قراءة قرآن، وستشعر أن علاقتك به ما زالت حية.
13- لا تظن أن حياتك انتهت، بل أنت في مرحلة إعادة بناء، وكثير من الناس يبدؤون من الصفر بعد صدمات أقسى.
14- غير طريقة تفكيرك؛ فبدلا من: (حياتي انتهت)، اقلبها إلى (أنا أبدأ من جديد)، وهذا الفرق يصنع الطريق كله، وتذكر أن الله إذا أخذ منك شيئا، فتح لك أبوابا أخرى، لكن تحتاج أن تتحرك لترى هذه الأبواب.
نسأل الله أن يرحم والدك، وأن يجبر قلبك، وأن يرزقك قوة على تجاوز ما مررت به، وأن يفتح لك أبواب الخير والطمأنينة، والله ولي التوفيق.