السؤال
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
أنا شاب أدرس في الجامعة، والحمد لله فأنا على خطى الاستقامة، لكنني أعاني من ذنوب الخلوات، وكل مرة أجدد العزم، لكن نفسي تغلبني، فسؤالي: هل أذهب وأدخل الحياة العملية في الجيش الوطني الشعبي لأجل أن أعف نفسي بالزواج، أم أبقى وأكمل دراستي؟
أفيدونا -جزاكم الله خيرا- فوالله تعبت من هذا الموضوع، وكلما فكرت في العمل يأتيني ذلك الحديث عن أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه) رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك أخي الفاضل في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله أن يوفقنا وإياك لصالح القول والعمل.
بداية أخي العزيز: مشاعر التعب من الذنب، وبغض هذه المعاصي، والرغبة في إصلاح النفس والاستقامة على منهج الله تعالى؛ دليل خير في نفسك، وهو من أثر النفس اللوامة التي تدفع صاحبها للخير وترغبه فيه، وقد أقسم الله تعالى بها فقال: (فلا أقسم بالنفس اللوامة)، ولوم النفس على التقصير ومحاسبتها على التفريط هو أولى خطوات العلاج والتزكية، فعليك ألا تجعل الحزن والندم يقفان عند هذا الحد، بل حولهما إلى عمل وإصلاح للنفس؛ ليكون هذا الألم سببا للهداية والاستقامة.
أما البقاء على هذا الحال دون سعي؛ فقد يحوله الشيطان إلى قنوط، ويغرس في النفس العجز، وينفرها من الدين -والعياذ بالله تعالى-.
أخي الفاضل، اعلم أن (كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون)، فكل البشر يخطئون حتى الصالحين، لكن الفرق أن الصالحين يبادرون إلى التوبة دون تأخير، ويجتهدون في الابتعاد عن أسباب الذنب؛ فإن زلت أقدامهم رجعوا سريعا إلى الله خائفين نادمين، وأكثروا من العمل الصالح لمحو أثر الذنب قبل أن يتراكم على القلب فيكون رانا يحجب الخير عنه، قال تعالى: (إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون)، وقال تعالى: (والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون)، وقال تعالى: (أقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين)، فبادر أخي إلى التوبة مع كل ذنب، وحقق شروطها من الندم والإقلاع والعزم، فإن عدت فتب دون يأس، قال تعالى: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله)، فالله يقبل التوبة مهما تكررت الذنوب إذا صدق العبد في رجوعه إليه.
أخي الفاضل، ما يتعلق بدخولك الجيش وترك الدراسة، اجلس مع نفسك جلسة هادئة بعيدا عن الضغوط، واسألها:
- هل هذا القرار سيوقف الفتنة؟
- هل هو مناسب لمستقبلي؟
- هل توجد حلول أخرى؟
- هل قراري ناتج عن تفكير أم انفعال؟
- هل بذلت كل الأسباب لعلاج المشكلة؟
هذه الأسئلة تنقلك من الانفعال إلى الوعي، وتساعدك على اتخاذ قرار متزن بعيدا عن التسرع.
أخي العزيز: ذنوب الخلوات من أعظم ما يفسد العلاقة بين العبد وربه، لكنها لا تأتي من فراغ، بل لها أسباب، من أهمها:
أولا: إطلاق البصر في الحرام.
قال تعالى: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون)، وغض البصر سبب في طهارة القلب وزكاة الإيمان، والنظرة المحرمة إن لم تدفع تحولت إلى فكرة، ثم رغبة، ثم فعل، والعلاج هو إيقاف المثيرات، وأولها غض البصر عن كل ما يثير الشهوة.
ثانيا: الفراغ مع الخلوة.
الفراغ من أكبر أسباب الوقوع في المعصية؛ لأنه يفتح باب التفكير في الشهوات، لذلك لا بد من شغل الوقت بكل نافع من علم وعبادة وصحبة صالحة، خاصة في فترة التعافي.
ثالثا: قرب وسائل المعصية.
سهولة الوصول إلى الحرام تضعف مقاومة النفس؛ لذلك يجب الابتعاد عن كل وسيلة توصلك إليه، وترك الخلوة بالجوال وإيقاف الدخول على مواقع التواصل الاجتماعي ونحوه، والبعد عن رفقة السوء، والانشغال بما ينفع ويفيد، خصوصا في فترة التوبة؛ فالقلب يحتاج لدافع قوي للخير وفترة من التعافي.
رابعا: الإفراط في الأكل والشرب.
من أكثر محفزات الشهوة الإفراط في الأكل؛ لأنه سبب للخمول والكسل ومدعاة لتحريك الشهوة في النفس، وقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى الصوم كعلاج لتخفيف الشهوة.
خامسا: اجعل لحياتك هدفا.
غياب الهدف يجعل الإنسان فريسة سهلة للفراغ والشهوات، أما وجود هدف واضح في الحياة، فيوجه طاقتك ويشعرك بالمعنى والثقة بالنفس، فتترفع عن مثل هذه المعاصي والذنوب الدنيئة.
أخي الكريم، مما سبق يتبين أن لهذه المشكلة حلولا، لكنها تحتاج إلى صبر واجتهاد وعزيمة، قال تعالى: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)، فلا تنتظر أن يأتي الحل من غير الاجتهاد والأخذ بأسباب النجاة والفلاح.
أما صلاح النية؛ فأساسه أن تجعل قصدك لله تعالى، والعمل الدنيوي لا ينافي الإخلاص إذا نويت به طاعة الله، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (وفي بضع أحدكم صدقة)، فكل عمل دنيوي يمكنك تحويله إلى طاعة بأن تنوي أن يكون وسيلة لطاعة الله تعالى.
أخي العزيز، دخولك الجيش وترك الدراسة قد يوفر لك المال للزواج، والزواج من أسباب العفاف بلا شك قال صلى الله عليه وسلم: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء)، لكنه ليس حلا جذريا؛ لأن الذي يوقف الفتنة حقيقة هو صلاح القلب والاستقامة على أمر الله، والزواج معين على ذلك، فقد يبقى الإنسان متعلقا بالشهوات وغارقا في ذنوب الخلوات حتى بعد الزواج إن لم يصلح قلبه، ويستقم أمره على منهج الله.
كما أن ترك الدراسة في مثل سنك قد يفوت عليك فرصا كبيرة في المستقبل ويؤثر على طموحك؛ لذلك لا تتخذ قرارا مصيريا دون تفكير عميق واستخارة واستشارة من أصحاب التجربة والخبرة، وما دام أن أصل المشكلة وهو الفتنة يمكن علاجه أو التخفيف منه؛ فإن الجمع بين سعيك للعلاج وإكمال دراستك، ثم البحث عن عمل يجعل حياتك في مسارها الطبيعي، وإن استطعت أن تجمع بين الدراسة والزواج فذلك خير، لكن من المهم أن تدرك أن للزواج مسؤوليات وحقوقا لا بد من الإيفاء بها؛ حتى لا يصبح الدخول في الزواج مشكلة جديده تواجهها في حياتك فليس مجرد شهوة تقضى.
ختاما أخي الغالي: وضعنا لك أهم معالم اتخاذ القرار، وما عليك إلا أن تتأمل وتنظر، وتدعو الله، ثم تقرر، وما ننصحك به هو السعي في حل المشكلة من جذورها الحقيقية، وهو صلاح القلب فهو الحامي الحقيقي للنفس، فإذا صلح القلب استقامت الجوارح، وذلك بالإكثار من الطاعات والنوافل والدعاء والذكر وتلاوة القران بخشوع، مع الابتعاد التام عن أسباب الفتنة والشهوة؛ وستجد الثمرة بعد الاجتهاد والممارسة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد ألا وهي القلب)، وقال تعالى: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ..).
وفقك الله ويسر أمرك.