أفكر في ترك عملي لعدة أسباب وأخشى البطالة وحزن والدي..فبمَ تشيرون؟

0 0

السؤال

السلام عليكم.

أنا فتاة عزباء، عمري 33 عاما، أعمل في مجال دراستي في الهندسة منذ 10 سنوات، في السنوات الثلاثة الأخيرة، مررت بكثير من المصاعب في الارتباط، وحوادث سيارة، وأعطال مختلفة، فأصحبت أبحث عن الذنوب التي ربما تكون سببا لهذه المصاعب، ومنها تأخر الزواج، وقد غيرت -بفضل الله- أمورا في حياتي، وأصلحت عبادتي وقربي من الله، إيمانا ويقينا به سبحانه، ويبقى عندي اعتقاد أن عملي سبب من هذه الأسباب؛ حيث إن عملي فيه اختلاط برجال محترمين، وتكون هناك حاجة للتواصل اليومي والدائم، ويحدث بيننا حديث عادي، قد يتخلله أحيانا بعض المزاح، أو المحاباة لتسيير أمور العمل، أو وجودي في مكان يرانا فيه الآخرون، وغير مغلق، لوحدي مع شخص آخر، وأحاول دوما تجنب ذلك.

أفكر في ترك العمل، إلا أن مجال دراستي الهندسة لا يخلو من الاختلاط، كما أنني أعيش في بلد مختلف عن بلد جنسيتي، وفرص العمل على قلتها بالبلد تكاد تكون معدومة لي، والصعوبات التي يواجهها أبناء جنسيتي، وأيضا أساعد أهلي في المصاريف؛ فوالدي رجل كبير في السن، مريض، يعمل يوما ويتوقف عشرا، وإخواني 4، منهم من لا يعمل، والمتزوج، والذي يدرس، ومن يجمع المال ليتزوج، ولا معيل لي.

مع العلم أن أمي وأبي ينصحاني ألا أترك العمل، ويحيك ذلك في قلبي حزنا لحزنهم، وحملهم لهمي، كما أن طاعتهم من البر أيضا، والكل حرفيا ينصحني بالبقاء في العمل، والصبر على ما أجد، إلا أنني تعرضت للظلم في عملي، وحدث مع أصحاب العمل خلاف، وكان ردهم: هذا الذي عندنا، أحببت أن تكملي أو لا، هذا خيارك!

أشعر إن أكملت معهم بأن كرامتي مهدرة، وهذا الخلاف حدث بعد صلاة الاستخارة، بأن يتيسر الأمر إن أحب الله لي البقاء بهذا العمل، كما أنني أصبحت أتعب من جلسة المكتب، ومن الاستيقاظ مبكرا، كما أن لدي خوفا من المستقبل، وأنا من تعودت على استلام الراتب، والصرف، ومن الجلوس في البيت، إذ أن بيتنا ليس فيه طمأنينة؛ لكثرتنا، وشخصية أمي أنها ترى الجلوس في البيت من الضعف، وقلة الحيلة، وأخاف من تراجع مهاراتي، ومكانتي الاجتماعية، ومن أن تطول فترة جلوسي بالبيت دون زواج، أو عمل، وأكون بلا معيل، كما أنني لا أملك مهارات تمكنني من البدء بعمل خاص، أو حتى الحصول على عمل بنفس راتبي، أو مميزات عملي من: قصر الدوام، وعطلة يومين في الأسبوع، وإدارة لا تدقق كثيرا.

فهل أكمل في عملي وأصبر، أم أتركه لوجه الله، وابتغاء مرضاته، والرزق من عنده سبحانه، أم أكمل لنهاية العام لأجمع المال وأستعين به على التعطل؟

مشكورين.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ ولاء حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبا بك -ابنتنا الكريمة- في استشارات إسلام ويب، نشكر لك تواصلك بالموقع.

وبداية: نسأل الله تعالى -بأسمائه الحسنى وصفاته العلى- أن يرزقك الزوج الصالح الذي تقر به عينك، وتسكن إليه نفسك، وأن يجعل لك من أمرك يسرا ومخرجا، ويرزقك من حيث لا تحتسبين.

لقد أحسنت -ابنتنا الكريمة- حين رجعت إلى محاسبة نفسك، وتفقدت مواضع الخلل والتقصير في حقوق ربك؛ وهذا توفيق عظيم من الله سبحانه وتعالى لك؛ فإن الإنسان المؤمن إذا رأى في أموره تعسيرا، وفي حياته مشقة؛ فإنه يرجع إلى نفسه ليرى ما هي الذنوب التي ارتكبها، فيصلح من حاله، فإن الأصل أن الإنسان لا يحرم الرزق إلا بسبب ذنوبه، كما قال الرسول الكريم ﷺ: إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه.

وهذا العمل -أيتها البنت الكريمة- عمل نافع، الرجوع إلى النفس، ومحاسبتها، وتفقد أخطائها، عمل نافع، وهو إنجاز حقيقي؛ لأنه إنجاز على المستوى الإيماني، والعملي السلوكي الذي يؤثر في دنياك وفي آخرتك، فإذا صلحت أحوالك مع الله تعالى؛ فإن كل الأمور ستكون صالحة -بإذن الله-.

ويكفي أن يرزقك الله تعالى السكينة القلبية، والطمأنينة النفسية، وانشراح الصدر، وراحة البال؛ وهذه كلها من ثمرات العبادة والقرب من الله، وكثرة الاستغفار، وهل السعادة إلا هذه الأمور؛ فليست السعادة في أموال نحصلها، أو أسرة نبنيها، أو غير ذلك، هذه من السعادات ولكنها ليست هي السعادة الحقيقية، السعادة الحقيقية لا يجدها الإنسان إلا حينما يقترب من ربه سبحانه وتعالى، فقد قال الله في كتابه الكريم: {من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة}.

فننصحك -ابنتنا الكريمة- على الاستمرار في هذا السلوك والبقاء عليه، ولو لم تجدي آثارا قريبة في تحسن أحوالك، وتيسر أمورك؛ فاعلمي أن الله تعالى يختبر صبر الإنسان، فالدنيا هذه إما نعمة يختبر الله تعالى بها شكرنا، وإما مصيبة وشدة يختبر بها صبرنا، والمؤمن يدور بين هذين الحالين، ولكنك إذا صبرت واحتسبت ما يقع لك من شدة وضيق، فإنك أيضا في ذلك تنجزين، وتقدمين لنفسك عملا كبيرا، فاستمري على هذا الحال الذي أنت عليه.

أما عملك، والاستمرار فيه فمن خلال وصفك الذي وصفت به في سؤالك -وقد قرأته كلمة كلمة-، وأنا أشعر بمدى المعاناة التي تعيشينها، ولهذا أنصحك نصيحة من يحب لك الخير، ويتمنى لك السعادة، أن تكوني جادة في التزام حدود الله تعالى، وتجنب الحرام، فهذه خطوة قبل إجراء ترك العمل؛ فربما تكونين في حاجة حقيقية إلى العمل كما أوضحته كلماتك في السؤال.

وربما صار هذا العمل من جملة العبادات التي تقربك إلى الله تعالى إذا اجتنبت المخالفات الشرعية فيه؛ لأنك تعفين به نفسك، وتعفين به والديك، وتواسينهما في النفقات التي يحتاجونها، وأيضا بقاؤك في العمل من الأسباب التي ترغب من يريد الزواج بك، وهذه حقيقة واقعية.

لهذا كله أنا أنصحك بألا تتركي العمل وألا تقرري ترك العمل الآن، إنما يجب أن تكوني حازمة ناصحة لنفسك باتخاذ قرار لا بد من أخذه، وهو الوقوف عند حدود الله تعالى في العلاقة مع الرجال في هذا العمل.

فإذا كنت تقدرين على ضبط هذه العلاقة بالحدود الشرعية فاستمري فيما أنت فيه من العمل ولا أنصحك بتركه، ومن هذه الحدود ما تعرفينه من تحريم الخلوة بين الرجل والمرأة الأجنبية، وتحريم الكلام الذي قد يثير الشهوات ويوحي إلى الآخرين بسهولتك وإمكان وقوعك في شراك أحدهم.

أيضا التجمل والتزين بأنواع الزينة أمام الرجال، ويجب عليك أن تلتزمي بالحجاب، وإن كان لا بد من كشف الوجه فلا بد أن تقتصري في ذلك على القدر المطلوب دون فعل أي شيء من الزينة، فإذا ضبطت كل هذه التصرفات فإنك -إن شاء الله- تفعلين شيئا جائزا.

وأنت في الحقيقة طبيب نفسك، وأنت أعلم بمدى قدرتك على الوقوف عند حدود الله تعالى، وتجنب الفتن، فإذا تيسر لك ذلك فبقاؤك في العمل خير.

هذه وجهة نظري التي أنصحك بها، وأتمنى أن يعينك الله تعالى على التزام هذه الحدود، حتى يجعل الله تعالى لك فرجا قريبا.

نسأل الله تعالى بأسمائه وصفاته أن ييسر لك الخير، ويقدره لك حيث كان، ويرضيك به.

مواد ذات صلة

الاستشارات