أختي تدعي أنها تعرف ما في نفسي، فكيف أتعامل مع هذه النوعية؟

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

تتحدث أختي معي مرارا عن قدرتها على كشف الحاقدين أو الحاسدين، حتى وإن التزموا الصمت؛ فهي تدعي استشعار "الطاقة" الكامنة في نفوسهم، ومن ثم تنفر منهم وتبتعد عنهم، وتزعم دوما أنها ووالدي يمتلكان هذا الحس، وأحيانا حين أفكر في تصرفاتها كأي أخت، جدها تضيق بي ذرعا بدعوى أنها تشعر بعدم تقبلي لها في هذه الفترة.

لقد صرت أخشى العفوية في التفكير أو التصرف، مخافة أن تبني عليها موقفا وتنفر مني، وكذلك الأمر مع أبي، وقد بررت لي ذلك بأن ثمة شيئا غير مريح في داخلي؛ لذا فهي وأبي لا يميلان للجلوس معي أو استثقال حديثي، والأمر ذاته ينسحب على أمي؛ إذ يزعم أبي أنه لا يحب الجلوس معها لوجود اضطراب في داخلها.

فهل هذا الادعاء صحيح أم أن المشكلة تكمن فيهما؟

إنها تمعن في تحليل تصرفات الجميع، وتدعي معرفة بواطنهم، وقد غدوت لا أطيق ذلك؛ إذ كيف لها أن تتدخل فيما أسره في نفسي ما دام الله قد سترني؟! وأنا أصمت تجنبا للمشاكل، رغم أنها تدعي معرفة ما أفكر فيه.

أشعر أحيانا أنها لا تقدرني كأخت، فتقدم الآخرين علي رغم أنني أعاملها بمودة، لكنها لا تهتم لشأني، وتجرحني حين أبدي اهتمامي، وأقل ما تقوله لي: "حين تصبحين مرتاحة من الداخل سأحبك، وغير ذلك فلا".

لماذا أتعرض لكل هذا؟ لقد فقدت الراحة في الكلام والتصرف، وصرت أحسب للكلمة ألف حساب، لقد أرهقني تعاملها هي وأبي؛ فمهما فعلت أنا وأمي، يتحججون بضرورة راحة ما بداخلنا وما في نفوسنا ليتقبلوا الجلوس معنا، ويدعون وجود "عقد" لدينا، وحتى أمي إذا طلبت طلبا بسيطا، استثقلوه لدرجة قد تصل بصراخ أبي عليها.

كيف أتعامل مع هذه التحليلات المستمرة التي تخترق خصوصيتي وتجعل الود بيننا مشروطا؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ جنى حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نشكرك على تواصلك معنا وثقتك بموقعنا.

فهمنا من رسالتك -أختنا الكريمة- أنك تعيشين في بيئة أسرية تشعرين فيها بضغط نفسي متراكم، وأن ما تصفينه يثقل عليك ثقلا حقيقيا، ويجعلك تتوجسين من كل فكرة تخطر ببالك، ومن كل تصرف تقدمين عليه، وهذا في حد ذاته مؤلم جدا، وشيء يستحق الوقوف عنده بجدية.

أولا: من الأمور التي لفتت انتباهنا كثيرا في رسالتك، هذا الأسلوب الذي تتبعه أختك، من ادعاء القدرة على استشعار ما في داخل الآخرين، وما يخفونه في نفوسهم، وأن هذا الإحساس موروث بينها وبين والدك، ونريد أن نكون صريحين معك في هذه النقطة:

1. علم ما في القلوب وما تخفيه الصدور هو من علم الغيب الذي استأثر الله به وحده، فقد قال الله تعالى: {قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله}، وقال سبحانه: {والله يعلم ما تسرون وما تعلنون}، وقال: {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا}، فلا يعلم ما يدور في نفس الإنسان إلا الله وحده.

2. ما يعرف في علم النفس أن بعض الناس يمتلكون ذكاء اجتماعيا مرتفعا، وقدرة على قراءة لغة الجسد والتلميحات الدقيقة، فهي موهبة إنسانية لها حدودها، لكن إطار ادعاء الوصول إلى ما يخفيه الإنسان في أعماقه ثم محاكمته عليه يتجاوز هذا الحد بكثير، ولا يجوز الجزم به.

ثانيا: لا نريد أن نقع في فخ الإسقاطات التشخيصية:
1. ما تصفينه من أن أختك تضع نفسها في موضع من يقيم الآخرين ويحاكمهم على ما في دواخلهم، ثم تبرر برودها أو نفورها منك بأن المشكلة فيك أنت لا فيها، هذا ما يسميه علم النفس بأسلوب (تحويل المسؤولية) أي جعل الشخص يشك في نفسه وفي سلامة مشاعره وتفكيره، بدلا من مواجهة المشكلة الحقيقية، وهذا النمط مرهق للغاية لمن يعيش معه؛ لأنه يفقده الثقة بنفسه، ويجعله يحسب لكل كلمة ولكل تصرف ألف حساب.

2. الدليل على صنيع أختك هذا، ما قلته بنفسك وهو أنك أصبحت تخافين حتى من أفكارك وتحسبين كل كلمة؛ وهذا ليس نابعا من خلل فيك، بل هو نتيجة طبيعية لمن يعيش في بيئة يشعر فيها باستمرار بأنه مراقب ومحاكم، وقد قال ابن القيم رحمه الله: "لو تأملت أكثر ما يذم الناس به لرأيته من قبيل ما حمل أحدهم على أن يخرج عيوب نفسه في صورة عيوب غيره، فيزيح عن نفسه ما يجده فيها ويحمله على سواه".

ثالثا: من الطبيعي الشعور بالحرج:
1. من الطبيعي جدا أن تشعري بالجرح حين ترين أنها لا تعطيك قيمتك كأخت، وأن اهتمامك بها لا يلقى المقابل ذاته، والعلاقة بين الأخوات رابطة مقدسة في الإسلام، وصلة الرحم واجبة حتى مع من يقصر فيها، ولكن الله لم يأمرنا أن نفتح صدورنا لمن يؤذينا مرارا وتكرارا.

2. نصيحتنا في هذا الجانب: أن تميزي بين الصلة والقرب، فالصلة واجبة وهي الحد الأدنى من التواصل والرحمة والدعاء، أما القرب العميق ومشاركة ما في النفس؛ فهو اختياري وينبني على الثقة، ولا تلومي نفسك على أنك تبقين معها في مسافة تحمين بها نفسك، قال تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها}.

رابعا: تبني والدك نفس الأسلوب.
ما تذكرينه من أن والدك يتبنى هذا الأسلوب ذاته في التقييم، وأن طلبات والدتك البسيطة تقابل بالصراخ؛ يدل على وجود توتر أسري حقيقي يستحق الاهتمام، ولعل والدك يحتاج إلى من يتحدث معه بهدوء عن أثر هذا الأسلوب على أفراد الأسرة، لكن هذا يحتاج إلى توقيت مناسب وأسلوب دبلوماسي لا يستفزه.

خامسا: من الأمور التي ستعينك بإذن الله:
1. احرصي على تقوية علاقتك بالله في المقام الأول، فالإنسان الذي يعلم أن الله يعلم ما في نفسه ويقبل توبته وعذره لا يحتاج إلى اعتراف أحد بسلامة نيته، أكثري من قول: (اللهم اجعلني في نفسي صغيرا وفي أعين الناس كبيرا ولا تفضحني بخبيئتي) وما شابه من الأدعية التي تصلك بمن يعلم السرائر.

2. دربي نفسك على عدم الدفاع عن نفسك أمام من يسقط عليك تفسيراته؛ فالرد في الغالب لا يفيد مع هذا النمط، وبدلا عن ذلك أجيبي بهدوء: أنا أعلم بنفسي، وأستغفر الله مما يخفى علي فيها، وهذا يكفيني، هذا الرد يغلق باب الجدل، ويحفظ كرامتك.

3. ابحثي عن فضاء آمن خارج المنزل، سواء كانت صديقة ثقة أو نشاطا تجدين فيه ذاتك؛ فالإنسان يحتاج إلى مساحة يشعر فيها بالقبول دون شروط.

4. لا تستهيني بأثر الصلاة والدعاء في وقت السحر، فهو وقت تنشرح فيه نفسك وتجدين سكينة حقيقية، وقد قال النبي ﷺ: عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيرا له.

ختاما: إن كان ما تشعرين به من ضغط وقلق وخوف من التصرف قد بلغ حدا يؤثر على راحتك اليومية، وعلى علاقتك بنفسك، فمن الحكمة أن تلجئي إلى أخصائية نفسية تساعدك على بناء حدود صحية مع من حولك وعلى استعادة ثقتك بنفسك، فإن طلب المساعدة ليس ضعفا، بل هو شجاعة ورغبة صادقة في الشفاء.

نسأل الله أن ييسر أمرك، وأن يشرح صدرك، وأن يهديك سواء السبيل.

مواد ذات صلة

الاستشارات