تبت من معصية الزنا لكني أخشى من آثارها في المستقبل!

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أنا شاب مقيم في إسبانيا، وقد مررت بتجربة أقلقتني نفسيا ودينيا، وأرجو منكم توجيهي وبيان الحكم الشرعي فيما يتعلق بها.

كنت بحمد الله شابا محافظا مستقيما، لكن بعد سفري وابتعادي عن أهلي؛ تأثرت بصحبة سيئة، ووقعت في معصية الزنا، ثم أصابني مرض في الحلق، فذهبت إلى الطبيبة، فسألتني عن وجود علاقة جنسية، فأجبتها بنعم، وطلبت مني إجراء بعض التحاليل.

دخلت بعدها في حالة خوف شديد وقلق، لكن الحمد لله جاءت نتائج التحاليل سلبية وخالية من الأمراض، بعد ذلك ظهرت لدي بقع في الفم والمنطقة الحساسة، فازداد خوفي، وراجعت عدة أطباء (طبيب عام، وطبيب جلدية في إسبانيا، وطبيب آخر في بلدي)، وكلهم أكدوا أنها مجرد فطريات أو تهيج جلدي، وقد تحسنت حالتي بفضل الله.

لكن رغم ذلك، ما زلت أعاني من وساوس وخوف شديد من أن أكون مصابا بمرض خطير (مثل فيروس الورم الحليمي)، وأعيش في قلق دائم، مع شعور قوي بتأنيب الضمير والندم على ما فعلت.

هذا التفكير أثر علي نفسيا ودراسيا، وأصبحت أحيانا أشعر بيأس شديد، مع أني تبت إلى الله وأسعى للاستقامة.

كما يؤلمني التفكير في المستقبل، وأخشى إن كنت مصابا (رغم تأكيد الأطباء عكس ذلك) أن أؤذي زوجتي مستقبلا أو أتحمل ذنب نقل المرض؛ وهذا يزيد من معاناتي.

سؤالي:
1. ما حكم ما وقعت فيه بعد التوبة الصادقة؟ وهل يقبل الله توبتي؟
2. هل يجب علي شرعا إخبار من سأتزوجها مستقبلا بشيء كهذا، مع أن الفحوصات كانت سليمة؟
3. كيف أتعامل مع هذا الخوف والوسواس الذي يلازمني رغم زوال السبب الطبي؟

أرجو منكم النصح والتوجيه، وجزاكم الله خيرا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ سائل حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبا بك -أيها الابن الفاضل- في الموقع، ونشكر لك الاهتمام والتواصل وحسن العرض للسؤال، ونسأل الله أن يتوب علينا وعليك، وأن يثبتك على هذه التوبة، وأن يكتب لك السداد والرشاد، هو ولي ذلك والقادر عليه.

سعدنا بهذا التواصل، وأسعدتنا هذه التوبة التي نرجو أن تكون نصوحا، ونؤكد لك أن التوبة الصادقة هي التي يخلص صاحبها فيها لله، ويصدق فيها مع الله، ويتوقف عن المعصية، ويندم على ما حصل، ويعزم على عدم العودة، وهذا الندم الذي عندك دليل -إن شاء الله- على أن التوبة مقبولة، فاثبت على ما أنت عليه من الخير، وابتعد عن رفقة السوء، واحرص دائما أن تكون في صحبة أخيار، صحبة من يذكرك بالله إذا نسيت، ويعينك على طاعة الله إن ذكرت.

والحمد لله الذي عافاك من هذه المصيبة، ولا شك أن شهادات الأطباء واضحة جدا في أنك -ولله الحمد- لم تصب بتلك الأمراض التي كنت تتخوفها بعد تلك المعصية، والمعصية التي وقعت فيها من أكبر المعاصي بعد الشرك بالله، وبعد قتل النفس التي حرم الله، تعتبر هذه الجريمة هي أكبر الجرائم، {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}، فالله -تبارك وتعالى- يغفر كل الذنوب ما عدا الشرك.

قيل للنبي ﷺ: أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك، قيل: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك، قيل: ثم أي؟ قال: أن تزاني بحليلة جارك، ثم قرأ قول الله: {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذٰلك يلق أثاما * يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا * إلا من تاب}، وهذا مكان البشارة: {إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا}، وهذا لا يفوز بمجرد المغفرة، بل بصدقك في التوبة {فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات}، يبدل سيائتهم القديمة بحسنات جديدة، {فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما}.

فأبشر بهذه التوبة والعودة إلى الله تبارك وتعالى، واطرد عن نفسك هذه الوساوس، وإذا ذكرك الشيطان بما حصل من العصيان فجدد التوبة وجدد الاستغفار، واعلم أن هذا العدو يحزن إذا تبنا، ويندم إذا استغفرنا، ويبكي إذا سجدنا لربنا تبارك وتعالى.

أما الأسئلة التي أوردتها؛ فأولا: التوبة تجب ما قبلها والتائب من الذنب كمن لا ذنب له والله -تبارك وتعالى- هو الذي يقبل التوبة عن عباده، بل العظيم ما سمى نفسه توابا إلا ليتوب علينا، ولا سمى نفسه رحيما إلا ليرحمنا.

بالنسبة لإخبار من تتزوجها بما حصل منك؛ هذا لست مطالبا به شرعا، بل أنت مطالب شرعا بأن تستر على نفسك، وتستر على غيرك، والحمد لله الفحوصات خرجت سليمة رغم تكرارها، ورغم أنك فحصت في أكثر من مكان، إلا أن هذا -ولله الحمد- يؤكد أنك بعافية، وهذه نعمة من الله تبارك وتعالى، وفي كل الأحوال الإنسان ليس مطالبا بأن يكشف عن أسراره وعن أخطائه، بل ينبغي أن يستر على نفسه ويستر على غيره.

أما هذا الوسواس الذي يتابعك ويطاردك فهذا طبيعي؛ لأن هذا شغل الشيطان، ولكن كيد الشيطان ضعيف، وعلاج الوساوس يكون بإهمالها، علاج الوساوس يكون بالتعوذ بالله من الشيطان، علاج الوساوس يكون بعدم الوقوف والدوران حول الموقف، بل ينتهي الإنسان وينصرف لموضوع آخر.

وعلاج الوساوس بهذا اليقين الذي وصلت إليه من خلال عرض نفسك على أطباء طمأنوك أكثر من مرة بأن الأمراض التي جاءتك أمراض عادية، لا علاقة لها بالأمراض التي تتخوف منها، ونبشرك بأن صدق التوبة، وصدق اللجوء إلى الله -تبارك وتعالى- فيه الخير الكثير والربح الكثير للإنسان.

نسأل الله -تبارك وتعالى- أن يتوب عليك، وأن يلهمك السداد والرشاد، فالتوبة إن شاء الله مقبولة، وأكثر من الأعمال الصالحة؛ لأن الحسنات يذهبن السيئات، ولست مطالبا شرعا أن تخبر أحدا، أو تفضح نفسك، أو تذكر ما حصل، والوساوس علاجها باللجوء إلى الله، والمواظبة على ذكره والدعاء، وإهمال هذه الوساوس.

نسأل الله أن يعينك على الخير، وأن يلهمك السداد والرشاد، هو ولي ذلك والقادر عليه.

مواد ذات صلة

الاستشارات