حين أصلي لا أحس بالصلاة حقاً وأخشى أن أكون منافقاً..فما النصيحة؟

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا -والحمد لله- أصبحت أنتظم في الصلاة منذ حوالي خمسة أشهر، وأسأل الله أن يثبتني، وذلك بعد فترة طويلة من الانقطاع، غير أني الآن في حالة قلق وخوف؛ إذ أشعر أني حين أصلي لا أحس بالصلاة حقا، وكأني أؤدي الحركات فقط من غير شعور أو إحساس.

مع أن كل ما في ذهني أني أريد أن أصلي، وأركز، وأحاول أن أكون خاشعا، لكن للأسف فوت صلاتي الجمعة مرتين، أقوم من النوم وأقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، وأشعر بالضيق، ومع ذلك لا أجد إحساسا حقيقيا بالصلاة.

أصبحت أخاف أن أكون منافقا في كل ذلك، ويلازمني هذا التفكير كثيرا، حتى شعور الخوف من جهة الطاعات، لا أستطيع أن أحس به، لكني أعلم أنه موجود في داخلي، لا أدري ما وضعي هذا، ولا ماذا أفعل!

أرجو الإفادة، وجزاكم الله خيرا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ يحيى حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبا بك -أخي الكريم- في موقع استشارات إسلام ويب، وردا على استشارتك أقول، مستعينا بالله تعالى:

ما تحس به يمر به كثير من الناس بعد الالتزام بالطاعة، خاصة بعد فترة انقطاع، فلا تتعجل الحكم على نفسك، وسوف أجيبك إجابة وافية من الناحية الشرعية والتربوية، لعلها تريح بالك بإذن الله تعالى.

أولا: من الناحية الشرعية:
ما أنت فيه ليس نفاقا بحال من الأحوال؛ فالنفاق ينقسم إلى قسمين: نفاق عملي، وهو المذكور في قول نبينا ﷺ: آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان، وفي رواية: وإذا عاهد غدر، والنوع الثاني هو النفاق الاعتقادي، وهو أن يظهر الإنسان الإيمان ويبطن الكفر، أو يكره الطاعة في باطنه، أما أنت فتقول: "أريد أن أصلي وأجتهد وأخاف أن أكون مقصرا"، وهذا ضد النفاق تماما، بل هو علامة إيمان.

كان الصحابة -رضي الله عنهم- يخافون على أنفسهم من النفاق، وكانوا يسألون حذيفة بن اليمان، ويقولون: نستحلفك بالله، هل سمانا النبي ﷺ مع المنافقين؟ ومع ذلك كانوا من خير الناس؛ فالخوف على النفس من النفاق أو الوقوع فيه علامة لصحة القلب، لا فساده.

ثانيا: لماذا لا تشعر بالخشوع؟
سألت في استشارتك فقلت: لماذا لا أشعر بالخشوع؟ هناك عدة أسباب طبيعية جدا:

1- يمر الإنسان في مرحلة ما بعد التوبة بجفاف إيماني، كونه كان غارقا في المعاصي، وهذا أمر طبيعي جدا، لكنه في أول الطريق لتحقيق الإيمان؛ فالإيمان يتقوى بالأعمال الصالحة، ويزداد شيئا فشيئا، ومن هنا يبدأ الشعور بالخشوع تدريجيا؛ فالإيمان ليس مجرد مشاعر فقط، بل ثبات وعمل.

2- الخشوع ليس شعورا دائما، بل هو حضور للذهن، وتقليل للشرود، وفهم لما تقول، وكبار العباد من الصالحين كانوا يشتكون من شرود قلوبهم؛ فالإنسان لا يمكن أن يكون على حال واحد مستقر.

3- تأثير التفكير الزائد، فمثل قولك: "أخاف أن أكون منافقا ولا أحس بأي شيء"، فهذا دليل على دخولك في دائرة مراقبة الشعور، وهي دائرة مرهقة؛ لأنك تراقب نفسك، فلا تجد الشعور، فتقلق، ويزداد غياب الشعور.

ثالثا: تحليل الحالة النفسية التي تمر بها:
ما تمر به أقرب إلى القلق الديني، وهذا يظهر جليا في تضخيم فكرة "لا أشعر"، لأنك ربطت الإيمان بالإحساس فقط، ومن هنا صرت تجلد ذاتك، والحقيقة غير ذلك تماما؛ فالإيمان اعتقاد، وقول باللسان، وعمل بالجوارح، قبل أن يكون إحساسا؛ لأن الإحساس الذي تتكلم عنه مسماه الشرعي "حلاوة الإيمان"، وهي ما يجده الإنسان من الطمأنينة والراحة بعد أداء العبادة، وهذا يأتي بالتدريج.

رابعا: فوات الجمعة:
لا يصلح أن تربط تفويت جمعة أو جمعتين بالنفاق، بل الصواب أن تربطه بالتقصير، ويمكن معالجته بإذن الله تعالى، غير أنه لا بد من الحذر من تفويت صلاة الجمعة، ولعل سبب تفويتك لصلاة الجمعة أحيانا النوم، أو كثرة الأعمال التي تجعلك تتأخر، فلا تشعر إلا وقد خرج الناس منها.

خامسا: خطوات عملية:
1- غير الألفاظ التي ترددها بهذا الخصوص، فلا تقل: هل شعرت بالخشوع؟ بل قل: هل صليت ولو بخشوع نسبي؟ وعليك أن تكثر من سماع القرآن، وتتنوع في السماع من بعض الشيوخ، فإن سماع القرآن يبعث الخشوع في القلب ويقوي ويرفع من درجة الإيمان، وكذلك تدبر نعم الله عليك، وانظر في ملكوت الله حولك {أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج}، فهذا يبعث على تعظيم الله سبحانه.

2- أذكرك بقاعدة مهمة، وهي أن: "الخشوع يأتي بعد الاستمرار، وليس قبله"، فلا تنتظر الإحساس حتى تخشع، بل استمر بالتعبد، وسيأتي الخشوع تدريجيا.

3- علاج الشرود في الصلاة: سأدلك على خطوات تعينك على اجتياز الشرود الذهني في الصلاة، ومنها: أن تقرأ القرآن ببطء، وأن تركز على معنى الآيات دون تكلف؛ حتى لا يجرك الشيطان إلى الوسوسة، وخفف من المشاغل التي تجعل ذهنك مشغولا بها داخل الصلاة.

4- لا تحاكم نفسك: فكلما أردت أن تقول، ولو في نفسك: "أنا منافق"، استعذ بالله من الشيطان الرجيم، وقل في نفسك: "هذا وسواس"، فلا تصغ له، ولا تحاوره أبدا، وأكثر من الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم.

5- اضبط موضوع الجمعة، وذلك من خلال:
• النوم مبكرا ليلة الجمعة؛ فالنوم المبكر يعطيك قسطا كافيا، ويجعلك تستيقظ مبكرا.
• ضع لنفسك منبها، وأخبر أهلك أن يوقظوك، واجعل صديقا يمر عليك قبل الذهاب للصلاة.

6- صحح فهمك للإيمان: فالإيمان، كما سبق، اعتقاد، وقول، وعمل، ويزيد وينقص، ويمر بفتور وضعف، وليس خطا مستقيما مستمرا على وتيرة واحدة.

سادسا: خلاصة لما سبق:
• أنت لست منافقا.
• أنت تمر في مرحلة طبيعية بعد الالتزام.
• عندك قلق زائد حول المشاعر.
• تحتاج إلى الاستمرار، لا التوقف.
• لو كنت منافقا، لما اهتممت بالصلاة، ولما خفت، ولما تقدمت بهذه الاستشارة.
• أنت تصلي -ولله الحمد-، وتحاول أن تشعر بحلاوة الإيمان، وقلقك على دينك دليل على حياة قلبك، لا نفاقك.

أسأل الله تعالى أن يرزقنا وإياك الثبات على دينه، وأن يرزقنا حلاوة الإيمان، إنه سميع مجيب.

مواد ذات صلة

الاستشارات