أمي ضحت من أجلي ولكنها تظلمني بسلوكياتها وكلامها، فما الحل؟

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وجزاكم الله خيرا على ما تقدمونه.

أنا فتاة في السابعة عشرة من عمري، وأعاني من مشاكل مستمرة مع والدتي منذ صغري، ورغم أن أمي اعتنت بي كثيرا وأحسنت معاملتي وضحت من أجلي، إلا أنها مرضت نفسيا، وأصبحت تعاني من حالة عصبية خطيرة، بسبب الضغوط والمشاكل التي واجهتها.

تقوم والدتي بالصراخ علي لأوقات، تتراوح بين ثلاث إلى ست ساعات بشكل متفرق، سواء ارتكبت خطأ أو كان السبب تافها، وهذا الأمر مستمر منذ أن كان عمري تسع سنوات حتى الآن، وأحيانا تضربني ضربا مبرحا، ورغم أنني لا أدعي المثالية فأنا أخطئ أحيانا برفع صوتي أو التقصير في أعمال البيت، لكنني أبادر بالاعتذار، ومع ذلك فإن حالة أمي تزداد سوءا، وقد أصبحت متعبة نفسيا، ولا أتحمل هذا الصراخ الطويل الذي تفرضه علي بالجلوس بجانبها حتى تنتهي.

لقد تخلى أبي عني منذ الصغر، وكانت أمي هي من آوتني -بعد الله-، وسؤالي هو: هل لو ذهبت للعيش مع أبي لأنني لم أعد أطيق التحمل سأعتبر عاقة؟ وهل ستصيبني دعواتها لأنني كنت أخطئ في حقها سابقا؟ علما بأنني لو ذهبت إليه فلن تستطيع أخذ حقها الذي انتظرته لسنوات، فما هو الواجب علي شرعا في مثل هذه الحالة؟

لقد حاولت تجنب الصراخ بالانشغال في أعمال البيت، لكن هذه الطريقة لم تنفع، بل تزيد المشاكل، وتتهمني بتركها تصرخ وحدها، والآن أصبحت تهددني بالضرب المبرح، وأنا لا أنكر فضلها وتضحيتها، كما لا أنكر أنني أعقها أحيانا، لكنني أحاول الآن برها بكل استطاعتي، إلا أن الأمر يكبر لدرجة كبيرة، وعلى أسباب بسيطة.

تهددني أمي دائما وتدعو علي بالسخط، وتقول لي إنني لو خرجت من الباب ذاهبة إلى أبي فلن أعود أبدا، وأحيانا في وقت غضبها تقول لي إنها لا تريد رؤية وجهي يوم القيامة، وتأمرني بالذهاب إلى أبي.

أنا في حيرة شديدة من أمري، وأنتظر جوابكم بفارغ الصبر، وجزاكم الله خير الجزاء، ورزقكم الجنة.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ مريم حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نرحب بك في استشارات إسلام ويب، وللإجابة عن استشارتك يمكننا أن نحدد لها نقاطا، وهي كالتالي:

أولا: طبيعة البلاء وعظم أجر الصابرين:
يبتلي الله عباده بأنواع مختلفة من البلاء؛ تختلف من شخص لآخر؛ قوة وضعفا؛ ومن أشد ما يبتلى الإنسان به البلاء في الدائرة الأولى من قرابته (الوالدين والأبناء)، ولقد وصف الله بلاء إبراهيم بابنه إسماعيل بأنه {البلاء المبين}، وكذلك بلاء إبراهيم بوالده، وبلاء يعقوب بيوسف، وغير ذلك كثيرا.

ثانيا: ما تفضلت به من مرض أمك، وحاجتها إلى الصراخ الدائم لساعات طويلة تصل إلى 6 ساعات -كما وصفت- لا شك أنه أمر شاق ومتعب عليك، ولكن لعلي ألخص جوابي لك في النقاط التالية:

1. أولا وقبل كل شيء، السعي في علاج الوالدة على أفضل ما يكون، وليس عبر المهدئات الطارئة فحسب، فهذا من البر العظيم لها أولا، كما إنه يعالج أصل المشكلة ثانيا، وإذا كنت أنت تتعبين من صراخها الطويل والمتكرر، فلك أن تتخيلي كم هو التعب والمشقة الذي تعاني هي منه نتيجة ذلك.

2. ذكرت في سؤالك أنك تقعين أحيانا في بعض الأخطاء كرفع الصوت عليها، أو عدم مساعدتها في أعمال البيت، وهذا لا يخفاك من العقوق الذي لا يليق بمثلك، وهو لا يليق بأم عادية لا تعاني من أي ضغط نفسي، فكيف الحال مع أمك بوضعها الاستثنائي هذا، وما أريد أن أقوله هنا، أن درجة الخطأ تزداد بشاعة من حالة إلى أخرى، فتنبهي إلى ذلك جيدا.

ثالثا: مهارات التعامل مع الحالة المرضية:
1. من المهم جدا أن تتعاملي مع صراخ أمك على أنه حالة مرضية، وأن تستحضري ذلك دائما، فهذا يخفف عليك الضغط النفسي، ويجعلك أقل حساسية في التعامل مع ما تقول، ويخفف من الوقع النفسي عليك، تماما كما يصبر المعلم على أخطاء تلاميذه لأنهم صغار، أو كما يصبر الوالدان على عبث الطفل الصغير وبكاء الرضيع، وهكذا.

2. احذري أن تفعلي ذلك دون أن تكوني قد رفعت مستوى برك بها إلى أعلى درجة ممكنة، ورفعت مستوى حذرك من الوقوع في الخطأ معها كذلك إلى أقصى ما يمكن، حتى لا ينتقل حالك من الانزعاج الشديد من صراخها، إلى اللامبالاة به بدعوى أنها مريضة.

3. احذري من الوقوع في كسرها وضياع حقها -كما وصفت- في حال ذهابك عند والدك وخروجك من عندها، فهذا فيه إثم مضاعف؛ العقوق أولا بتركها وهي بحاجة لك، بالإضافة إلى ضياع حقوقها المالية والتي انتظرتها لسنوات طويلة.

رابعا: مقترحات عملية لتخفيف الضغوط:
1. مما يجعلك أكثر قدرة على تحمل الحالة النفسية لوالدتك؛ هو: الحرص على عدم وجودك بالبيت طوال اليوم، فإن وجدت نشاطا نسائيا هادفا، أو مؤسسة تعليمية معينة أو غيرها فهذا جيد إن كان ممكنا، فهو سيقلل من درجة الاحتكاك معها، وسيساعدك على تقديم أفضل ما عندك، في الساعات المتبقية من الاحتكاك معها.

2. فكري في والدتك؛ هل من الممكن دمجها ضمن نشاط خارجي يفرغ جزءا من طاقتها، ويصرفها عن الانشغال بصغائر الأمور، ويساعدها في التعافي مما هي فيه! وليس بالضرورة أن تبحثي عن شيء هادف ومفيد بشكل كبير، فالهدف عندنا ليس ذات النشاط الذي ستذهب إليه، وإنما إخراجها من الدائرة الضيقة التي ربما لو ازدادت لأدت بها إلى الاكتئاب الحاد -لا قدر الله-.

خامسا: الانتقال إلى المبادرات الإيجابية:
1. حاولي أن تنتقلي من حالة ردة الفعل السلبية إلى الفعل الإيجابي، بمعنى ألا تجعلي كل تفكيرك منصبا في كيفية تجنب حدتها وتحمل غضبها وصراخها، بل انتقلي إلى التفكير في كيف تساهمين في إسعادها! فهذا مستوى أعلى وأرفع، ولذلك فهو أصعب، ولكن عندما تحققينه فسينعكس مباشرة على حالتها النفسية، ويساعد في تخفيف ما هي فيه من حدة:
• الهدايا المتكررة حتى ولو كانت رمزية.
• الثناء المتكرر على صبرها معكم وأنتم صغار.
• الخروج معها للأماكن التي تحبها.
• مفاجأتها دوما بما تحب من طعام، أو حديث، أو ضيوف، أو غيرها.
كل هذا مما يرفع حالتها النفسية، وينعكس عليكم جميعا بشكل إيجابي وفعال.

2. كوني حذرة في كلامك عن مشاكلها السابقة مع والدك؛ ولا تلوميها على أي شيء سابق حتى وإن كنت ترين أنها مخطئة فيه، فما مضى مضى، وليس مهمة الأبناء أن يقيموا تعامل والديهم مع بعضهم البعض، وخاصة إن لم يكن لذلك أي فائدة؛ لأنها أصبحت جزءا من الماضي بسبب انفصال أو وفاة أو غيره.

3. ابحثي عن فضائلها وأشيدي بها، وامدحيها في وجهها وبين الناس، فمرضها الحالي وحالتها النفسية السيئة تجعلها تقع في أخطاء كثيرة ربما ندمت عليها بعد أن تهدأ، وهذا بدوره يؤدي بها إلى النظرة السلبية لنفسها؛ لكونها تقع في هذه الأخطاء بشكل متكرر، وهذا بدوره سيزيد الحالة سوءا.

سادسا: نوصيك بالآتي:
• استعيني بالصبر والصلاة، كما أمر الله تعالى بقوله: {يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة}، فالمهام الكبيرة والشاقة تحتاج منا إلى زاد يجعلنا قادرين على تجاوز تلك المشاق والصعاب، والله سبحانه الذي يعلم ضعفنا، هو الذي يرشدنا إلى هذه الوصفة لتجاوز الصعاب التي تعترضنا، وذلك من خلال الاتصال بالله تعالى بالصلاة، وترويض النفس بالصبر على ما نكره.

• أكثري من الدعاء لنفسك ولأمك، وكوني واثقة أن تلك الدقائق والساعات التي تعانين فيها من والدتك اليوم، ستكون هي الأغلى عندك أمام الله يوم القيامة، إن صبرت وجاهدت نفسك أن تقومي فيها بحق الله، وحق أمك، وحق نفسك كذلك.

وفقك الله لكل خير، وصرف عنك كل شر، وشفى والدتك وعافاها، ورزقك بركة برها وصلتها.

مواد ذات صلة

الاستشارات