وسواس الكفر يلاحقني وينغص عليّ حياتي، فكيف أتخلص منه؟

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أعاني من الوسواس منذ أكثر من ثلاث سنوات، ولكنه خف كثيرا في الفترة الأخيرة.

المشكلة أنه يأتي بين الفينة والأخرى؛ فقد وصلت إلى درجة أنني لم أكن أستطيع مشاهدة فيديو، لأنني أشعر أنني لو شاهدته فسأقع في الكفر، وفي كل مرة أشاهد فيها مقطعا، تأتيني أفكار وتساؤلات تشعرني بأنني سأقع في الكفر، أو قد وقعت فيه، لأنني لا أجد لها إجابات.

حتى في خيالي لم أرتح؛ إذ يقول لي: لم تتخيلين نفسك بحجاب ملون؟ ولم لا تتخيلين أصحاب اللحى؟ ولم تظنين أن الناس سيتفاجؤون بمعرفتك لفعل هذا الأمر، مع أنك محجبة؟ وكثير من هذه التساؤلات.

أشعر أن هذا استهزاء بالأشخاص المتدينين، ولأنني أعرف أنه ليس كفرا، بل قريب منه، أكملت في تخيلاتي، فهل هذا مجرد وسواس، أم أنه حقا بهذا السوء؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ Rim حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبا بك -أختنا الكريمة- في موقع استشارات إسلام ويب، وردا على استشارتك أقول مستعينا بالله تعالى:

ما تصفينه ليس كفرا ولا قريبا منه، بل هو صورة واضحة من الوسواس القهري في باب العقيدة والتدين، وقد مر به كثير من الصالحين، وهو من أكثر الأنواع إيلاما؛ لأنه يتعلق بالإيمان، وهو أعز ما يملك الإنسان، وسوف أجيبك إجابة وافية، لعل الله تعالى أن ينفعك بها.

أولا: تشخيص حالتك.
أنت تعانين من وسواس قهري ديني يتميز بثلاثة أمور:
1- أفكار قهرية متسلطة تأتيك رغما عنك، تتمثل بفكرة: "سأكفر، وهذا استهزاء"، ونحو ذلك.
2- شك متعمق، مع علمك بأن ذلك ليس كفرا، لكنك تخافين من الوقوع فيه.
3- محاولة مقاومة وتحليل مفرط، يتمثل بالبحث عن إجابات لكل فكرة.

ثانيا: الحكم الشرعي.
• كل ما تعانين منه هو عبارة عن توهمات وحديث نفس، وليس نطقا وتلفظا، وهذا مما لا يؤاخذ عليه الإنسان؛ لقول نبينا ﷺ: إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم، فالأفكار التي تخطر في نفس الإنسان، ولو كانت قبيحة وسيئة، لا يؤاخذ عليها.

• الوسواس لم يترك خيار هذه الأمة، وهم الصحابة رضوان الله عليهم؛ فقد جاء ناس من أصحاب النبي ﷺ فسألوه: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به، قال: وقد وجدتموه؟ قالوا: نعم، قال: ذاك صريح الإيمان، وهنا أطمئنك وأقول لك: إن انزعاجك وخوفك الواضح من خلال استشارتك دليل على إيمانك، وأنك لم تقعي بالكفر، ولا قريبا منه كما عبرت.

• أذكرك بقاعدة وضعها العلماء رحمهم الله، وهي: "اليقين لا يزول بالشك"، فاليقين أنك مسلمة، ولا يزول هذا اليقين بالشك الذي تعانين منه.

• لقد قرر العلماء أن الوسواس لا يلتفت إليه، بل يجب الإعراض عنه.

ثالثا: هل ما تفعلينه استهزاء؟
• هذا ضمن دائرة الوسواس الذي تعانين منه، وهناك فرق بين الاستهزاء الحقيقي الذي يكون عن قصد وسخرية واختيار، وبين خواطر قهرية غير مقصودة، وخوف وتحليل زائد.

• قولك: "أكملت في تخيلاتي"، هذا لم يكن باختيار منك، بل هو استرسال مع الفكرة القهرية، ولا تؤاخذين عليه.

رابعا: لماذا يحدث لك هذا؟
بحسب ما يذكره المتخصصون، فالوسواس يعمل بهذه الطريقة: يرسل الفكرة، ثم يزرع الخوف، ثم يطلب من الشخص الاسترسال والتحليل، ثم يوهمه براحة مؤقتة، ثم يرجع بشكل أقوى مما كان عليه، وهنا يقوم الدماغ بتضخيم الاحتمالات الخطرة، حتى لو كانت غير منطقية؛ ولهذا، فكلما ناقشت الفكرة زادت، وكلما حاولت حلها ترسخت.

خامسا: خطوات عملية للعلاج.
1- التجاهل التام.
فأي فكرة تأتيك من هذا النوع، فلا تناقشيها، ولا تحلليها، ولا تبحثي لها عن جواب، بل قولي مباشرة: "هذا وسواس"، واستعيذي بالله من الشيطان الرجيم، وانهضي من المكان الذي أتتك فيه الفكرة، ثم قومي بممارسة أي عمل يلهيك عن تلك الفكرة، أو اذهبي إلى أفراد أسرتك وشاركيهم في أعمالهم.

2- نفذي ما يخوفك منه.
من أسباب علاج الوساوس مخالفة ما يوحي به؛ فشاهدي الفيديو إن كان محتواه مما يتجوز مشاهدته، حتى لو جاءك الخوف، وبهذا يخف الوسواس، ومع الوقت ينصرف عنك؛ لأنه وجد منك مخالفة وممانعة وقوة وشجاعة.

أكملي التخيل دون تعديل أو محاولة "تصحيحه"، وهذا يسمى من الناحية العلاجية: التعرض ومنع الاستجابة، وهو علاج ناجح علميا.

3- لا تبحثي عن اليقين الكامل.
العقل الوسواسي يريد التأكد والتيقن –بحسب زعم الوسواس– مئة بالمئة، وهذا مخالف للقاعدة السابقة: "اليقين لا يزول بالشك"، فأنت مسلمة، ولم تكفري، ولم تقعي بالكفر.

4- قطع الاسترسال مع الفكرة.
• إذا بدأت الأسئلة: لماذا تخيلت كذا؟ هل هذا استهزاء؟ هل وقعت في الكفر؟ هل سخرت من فلان؟ فمباشرة استعيذي بالله من الشيطان الرجيم، واقطعي تلك الأسئلة، وقومي بالتحرك من المكان الذي أتتك وأنت فيه، واذكري الله تعالى، وقومي بأي عمل يلهيك عنها.

• من المهم جدا أن تتركي العزلة؛ فلا تجلسي منفردة، فالانفراد يغذي الوسواس ويستجلبه، والوسواس يحب أن تنفردي بنفسك؛ لينفرد بك ويورد عليك الوساوس.

5- داومي على الذكر.
حافظي على أذكار اليوم والليلة في أوقاتها، من خلال كتاب "حصن المسلم" للقحطاني، أو تطبيق "أذكار المسلم"، فالذكر حصن للمسلم من الشيطان الرجيم وخواطره ووساوسه.

6- مجاهدة النفس
الشيطان ضعيف، لا يستطيع مواجهة الإنسان؛ ولذلك يلجأ إلى الوسوسة، وأنت أقوى منه، لكنك أبنت له ضعفك حين أصغيت لأفكاره الخبيثة، واسترسلت معها، وحاورتها، وبإمكانك أن تنتصري عليه إن جاهدت نفسك، ومن ثمرات المجاهدة الهداية إلى سبل الله تعالى، كما قال سبحانه وتعالى: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين}.

سادسا: احذري من فخ الشيطان.
من أعظم مصايد الشيطان أنه يطلب منك الوصول إلى الطمأنينة الكاملة، ومن خلالها يستمر في تشكيكك وإدخالك في دوامة لا يمكنك الخروج منها ما لم تقطعي الاسترسال معه، وتتركي البحث عن الطمأنينة؛ فالطمأنينة تأتي من خلال تجاهل تلك الأفكار، وليس من الإجابات والتحليل.

خلاصة ما سبق:
• ما عندك وسواس صريح، وليس كفرا ولا استهزاء.
• لا تؤاخذين به شرعا.
• الاسترسال معه هو المشكلة، وترك الاسترسال هو العلاج.
• من العلاج: التجاهل، وعدم التحليل، والاستمرار في الحياة رغم القلق.

وختاما: أسأل الله تعالى أن يصرف عنك الشيطان وهمزه ونفخه ونفثه، إنه سميع مجيب.

مواد ذات صلة

الاستشارات