كيف أقنع والدي برغبتي في دراسة الشريعة وهو يريدني طبيبًا؟

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا طالب مصري أعيش في الكويت، والسنة القادمة هي آخر سنواتي الدراسية قبل الجامعة، وأهلي يريدون مني دخول كلية الطب، وقبل تعلقي بالعلم الشرعي كانت كل العلوم عندي متساوية؛ لا أحبها ولا أكرهها، فكنت لا أرى بأسا في دخول كلية الطب فقط لإرضاء والدي، خصوصا أن الله -سبحانه وتعالى- يوفقني لتحصيل أعلى الدرجات والمراكز، فكنت متفوقا في الدراسة بفضل الله وحده.

قبل هذه السنة لم أكن ملتزما، ولا كان العلم الشرعي ببالي من الأساس، حتى هداني الله -عز وجل- وبدأت في طلب العلم بهمة عالية؛ لأنني شعرت أن لما أفعله قيمة كبيرة وعظيمة، واستطعت التوفيق بين العلم الشرعي والدراسة الأكاديمية بحمد الله، مع أنني ظننت هذا مستحيلا وشاقا قبل ذلك.

بدأت أتعمق في سماع قصص السلف الصالح من خلال مرئيات مشايخ أهل السنة، ورأيت مثالا حيا لعالم جليل أحبه في الله، أفنى عمره في طاعة الله ومحاربة البدع ونصرة سنة نبيه، وقد مات في عام 2025، وهو الشيخ (الحويني)، أسأل الله أن يسكنه فسيح جناته، وفي الحقيقة تأثرت بقصته جدا، خصوصا كيف بدأ طلب العلم، ونزع ذلك من قلبي فكرة استحالة إفناء الإنسان عمره في طاعة الله في زماننا هذا كما كان يفعل السلف.

شعرت أنني أخيرا وجدت علما أحبه، ومستعد أن أفعل أي شيء لأجله وأفني عمري فيه، وهو العلم الشرعي، وقد حددت هدفي في الحياة وهو أن أخدم هذا الدين، وأحاول أن أوقظ الأمة من الحال المحزن الذي صارت إليه للأسف، حيث أصبح الناس بين أهل جفاء وأهل غلو، إلا من رحم ربي وهم القليل السائرون على النهج الأول.

أريد الالتحاق بكلية شرعية في الجامعة الإسلامية أو جامعة الإمام، فإن لم يتم قبولي فقد ألتحق بالأزهر، مع دراستي لثلاث سنوات إضافية؛ وهذا لأنني أطمع في كرم الله -عز وجل- إذا وضعت هذه الهمة العالية في طلب العلم، مع التفرغ له أن يجعلني عالما أفيد الأمة، ولو دخلت كلية الطب أخشى أن تفتر همتي المشتعلة، كما أنها كلية مختلطة فيها من الفتن شر عظيم، وكل الكليات فيها اختلاط إلا جامعة الأزهر.

أرى أن الطب مجال ثقيل جدا يحتاج إلى وقت طويل، فبالتأكيد لن يكون تحصيلي في العلم الشرعي هناك كما هو حال تفرغي له، هذا فضلا عن التخصص والعمل بعد التخرج، وأرى أن الأمة الآن في أمس الحاجة إلى علماء على السنة أكثر من حاجتها إلى الأطباء، وقد صليت صلاة الاستخارة كثيرا، فأرجو توجيه رسالة لأهلي توضح لهم الأمر.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ حسين حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نشكرك على تواصلك معنا، وثقتك بموقعنا.

أولا: تقدير الهمة وطبيعة المرحلة:
قرأنا رسالتك بتأمل واهتمام، فوجدنا أمامنا شابا في عمر الزهور يحمل في صدره هم الأمة، ويتحدث بلغة من عاش عقودا في طلب العلم، وهذا وحده يجعلنا نقول لك بصدق: أنت نعمة ينبغي أن تصان وتوجه؛ نسأل الله أن يثبتك على هذه الهداية التي من بها عليك، ونسأله أن يجعل همتك العالية هذه زادا لا يفتر.

ولكن -ابني الكريم- دعنا نتحدث بصدق ووضوح كما يتحدث الناصح المحب: ما تشعر به الآن من محبة العلم الشرعي، والتأثر بسير العلماء، وإرادة خدمة الدين، هذا شعور نفيس وحقيقي، ولا نشك في صدقه، غير أنك في سن التكوين الروحي والوجداني، يتأثر فيها الإنسان بشدة بما يقرأه ويسمعه، وتتشكل فيها المشاعر بسرعة وحرارة، وهذا ليس طعنا في إخلاصك، بل هو وصف لطبيعة هذه المرحلة التي مر بها كل من أحببتهم من العلماء أنفسهم.

ومن أعظم ما يميز طالب العلم الحقيقي أنه لا يستعجل، فالشيخ الحويني -رحمه الله- الذي تأثرت بسيرته لم يصبح ما صار إليه في ليلة وضحاها، بل بنى نفسه بصبر، وتدرج، وعقود من الجهد والتضحية.

ثانيا: مكانة بر الوالدين وحق الطاعة:
ابني، بر الوالدين ليس مجرد أدب، بل هو عبادة لها أثر عجيب في حياة الإنسان ومستقبله، وقد جعل الله رضاهما مفتاحا للتوفيق، وقال النبي ﷺ: رضا الله في رضا الوالدين، وسخط الله في سخط الوالدين.

ووالداك لا يريدان بك سوءا حين يطلبان منك دراسة الطب، بل لهما نظرة أخرى، وهذا حق لهما وواجب عليهما، والخلاف معهما ينبغي أن يكون بالحوار الهادئ والحجة المقنعة، لا بالمواجهة أو الإصرار المجرد.

ثالثا: توجيهات عملية للمرحلة الحالية:
ما الذي ننصحك به الآن؟
الأمر الأول: أن تصبر على هذه المرحلة وتستثمرها، فأنت الآن في السنة الأخيرة قبل الجامعة، وهذه فرصة ذهبية لترسيخ علمك الشرعي الذي بدأته، فاستمر في طلب العلم على أيدي المشايخ الثقات، وأكثر من القراءة في السيرة النبوية وكتب العقيدة والفقه الميسر، ولا تنتظر الجامعة لتبدأ.

الأمر الثاني: أن تتحاور مع والديك بهدوء وأدب، لا بروح المطالبة، بل بروح المستشير الذي يعرض همه على من يحبهم، واستعن بشيخ يثق به والدك ليكون وسيطا حكيما في هذا الحوار، فكثيرا ما يقبل الوالدان من عالم موثوق ما لا يقبلونه من ابنهم مهما أحسن الحجة، وهذا ليس ضعفا بل حكمة.

الأمر الثالث: ألا تغلق باب الطب كليا قبل أن تتأمل جيدا، فكثير من العلماء والدعاة كانوا أطباء وجمعوا بين العلمين خيرا عظيما، والطب وإن كان ثقيلا إلا أن العقل المتفوق الذكي الذي آتاك الله إياه قادر على الجمع بين الأمرين، ولا سيما أن العلم الشرعي لا يقف على الجامعات فحسب، بل هو في الدروس والمساجد والكتب والمشايخ في كل مكان وزمان.

على سبيل المثال:
- الدكتور محمد علي البار: استشاري أمراض باطنة ومستشار الطب الإسلامي بمركز الأخلاقيات الطبية بجدة، يعد من أبرز المراجع في فقه النوازل الطبية وله مؤلفات عديدة مثل "المسؤولية الطبية".
- الدكتور عبد الرحمن السميط -رحمه الله-: طبيب كويتي متخصص في الأمراض الباطنية والجهاز الهضمي، جمع بين الطب والدعوة العلمية والعملية في أفريقيا، وكان نموذجا فريدا في فقه الإغاثة.
- الدكتور خالد الجبير: طبيب سعودي واستشاري جراحة القلب والشرايين، اشتهر بدمج الوعظ الديني والرقائق مع تخصصه الطبي في محاضراته ودروسه.

رابعا: التأني في القرار والاستخارة:
1. ابني، عليك أن تعلم أن التأني في قرار كهذا لا يكون بالاستعجال، لا تستعجله، فأنت لم تبلغ بعد سن اتخاذ القرارات المصيرية الكبرى وحدك، ومن الحكمة أن تستمر في الاستخارة وأن تضيف إليها مشاورة العلماء الثقات الذين عرفتهم في مسيرتك، يقول الله عز وجل: {وشاورۡهمۡ في ٱلۡأمۡر فإذا عزمۡت فتوكلۡ على ٱلله إن ٱلله يحب ٱلۡمتوكلين} [آل عمران:159].

2. ابني، عليك أن تعلم أن العلم الشرعي لن يهرب منك إن درست الطب، والعالم لا يصنعه التخصص وحده، بل تصنعه الهمة والإخلاص والمثابرة، وقد طلب كثير من العلماء العلم الشرعي في أوقات فراغهم ومساء أيامهم، فأصبحوا أعلاما لا ينسون، وخير مثال على ذلك الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- الذي كان يدرس في حلق المساجد قبل أن تتوافر له مؤسسات التعليم الرسمي.

3. ابني، عليك أن تعلم أن العلم الشرعي الحقيقي يحتاج إلى تأسيس، وترتيب، وصبر، وما أجمل قول الشاعر:
صـبـرا جـمـيلا ما أقرب الفرجا *** من راقب الله في الأمور نجا

نسأل الله أن يوفقك وييسر أمرك، وأن يفتح بينك وبين والديك من أبواب الحوار والتفاهم ما يجمع خير الدنيا وخير الآخرة، وأن يجعلك ذخرا لأهلك وأمتك، إنه سميع مجيب.

مواد ذات صلة

الاستشارات