السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا شاب أعمل في أرضنا في الريف وفي صناعة الطوب، وأعمل بالأجر عند غيرنا، وسؤالي هو: كيف أجعل ما أفعله قربة إلى الله تعالى، خاصة أني أحيانا أواجه أعمالا شاقة، وأبي يأمرني بأشياء أرى فيها مشقة كبيرة، ثم لا يقدر تعبي وما أقوم به في الليل والنهار، ويؤذيني كثيرا بألفاظه، ولا يذكر إلا عيوبي بفظاظة وغلظة، ويغض الطرف عن كل ما أنجزته؟! وقد علمت أن المخلوق لا ينبغي أن يطلب رضاه ابتداء، وإنما الذي يرجى رضاه هو الكريم رب العالمين.
وسؤالي الثاني: كيف أوفق بين هذه الأعمال وبين دراستي في الجامعة؟
جزاكم الله خيرا.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ عبدالله .. حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك أخي الفاضل في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله تعالى أن يوفقنا وإياك لصالح القول والعمل.
أهمية العمل والنية الصالحة:
أخي الغالي، الاعتماد على النفس، والسعي للكسب الحلال، يعد من علامات الخير والنضج وتحمل المسؤولية، وهي صفات محمودة في الدنيا والآخرة، والعمل الشريف من أعظم أبواب العفة وصيانة النفس، جاء في الحديث الصحيح: ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده.
أخي الغالي، حتى يتحول عملك الدنيوي إلى عبادة تؤجر عليها، لا بد أن تستحضر النية الصالحة في قلبك؛ فإن النية هي التي تحول الأعمال المباحة إلى مراتب الطاعات والقربات، وقد جاء في الحديث العظيم المشهور: إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى.
فإذا نويت بعملك الاستغناء عن الحرام، وإعفاف نفسك، ومساعدة والديك، والإنفاق على أهلك، وبناء مستقبلك بالحلال، وعدم الحاجة إلى سؤال الناس، فإنك مأجور على ذلك كله بإذن الله تعالى.
جاء في الحديث أن أصحاب رسول الله ﷺ رأوا رجلا قويا نشيطا يعمل ويكدح، فقالوا: يا رسول الله، لو كان هذا في سبيل الله! فقال رسول الله ﷺ: إن كان خرج يسعى على ولده صغارا فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفها فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى رياء ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان.
فتأمل كيف جعل النبي ﷺ السعي على النفس والأهل والوالدين من سبيل الله، أي أنه قربة لله إذا خلصت النية وصح المقصد؛ ولهذا: اعقد في قلبك النية الصادقة الخالصة لله تعالى، واجعل عملك وسيلة للتقرب إلى الله، وطلب الحلال، وصيانة النفس عن الحرام.
بر الوالدين والصبر على الأذى:
أخي العزيز، ما تجده من قسوة أو شدة أو كلمات مؤذية من والدك، فاعلم -وفقك الله- أن هذا باب عظيم من أبواب الابتلاء الذي يرفع الله به الدرجات ويكفر السيئات إذا صبر العبد واحتسب، فقد قرن الله تعالى بر الوالدين بتوحيده؛ لعظم حقهما ومكانتهما، فقال سبحانه: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما * واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا}. فتأمل كيف أمر الله تعالى بالكلمة الطيبة، وخفض الجناح، والرحمة، والرفق، والدعاء لهما، حتى في حال وجود التقصير أو الشدة منهما.
ومع ذلك، فهناك قاعدة شرعية ينبغي فهمها جيدا، وهي: إنما الطاعة في المعروف، وأيضا: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. فإذا أمرك الوالدان بمعصية، أو ظلم، أو أمر يفسد دينك أو يضرك ضررا محققا، فلا تجوز طاعتهما في ذلك، لكن حتى عند عدم الطاعة يبقى واجب البر والإحسان والاحترام قائما، فلا يجوز الإساءة أو العقوق أو رفع الصوت أو الإهانة، قال الله تعالى: {وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا}، فحتى مع أعظم المعاصي (الشرك بالله) أمر الله بحسن الصحبة والمعروف.
لذلك -أخي الفاضل- احرص قدر استطاعتك على أن تظهر لوالدك الاحترام والتقدير، حتى لو أساء إليك أو اشتد عليك، وليس معنى ذلك أن تكبت مشاعرك دائما دون علاج، بل من الحكمة أن تختار الأوقات المناسبة للحديث الهادئ اللين، فتشرح له أثر الكلمات القاسية على نفسك ومستقبلك وحالتك النفسية، بأسلوب مؤدب بعيد عن الانفعال، كما يمكن أن تستعين بشخص حكيم يحترمه والدك من الأقارب أو أهل الخير أو أصحاب التأثير الطيب، ليكلمه برفق ولين في تحسين طريقة التعامل.
وتذكر دائما أن كثيرا من الآباء قد يعبرون عن خوفهم أو ضغوطهم أو رغباتهم بطريقة قاسية، لا لأنهم يكرهون أبناءهم، وإنما لضعف في أسلوب التعبير أو لشدة ما مروا به في حياتهم، أو لمكدرات كثيرة في حياتهم.
خطوات التوفيق بين الدراسة والعمل:
أخي الغالي، ما يتعلق بالتوفيق بين الدراسة والعمل: هذا أمر يحتاج إلى وعي وتنظيم وصبر، وليس أمرا مستحيلا، بل إن كثيرا من الناجحين جمعوا بين الأمرين، لكن بحكمة وتوازن، ولتحقيق ذلك اتبع التالي:
أولا: تنظيم الوقت، احرص على وضع جدول واضح ليومك، تقسم فيه وقت الدراسة، ووقت العمل، ووقت المذاكرة، ووقت الراحة، ووقت العبادة والنوم، فوضى الوقت من أكبر أسباب الفشل والتشتت، أما التنظيم فيمنح الإنسان قدرة على الإنجاز والاستمرار.
ثانيا: التوازن وعدم المبالغة، في بداية الأمر لا تجعل العمل يستنزفك على حساب دراستك، ولا تنشغل بالدراسة حتى تفقد مصدر الدخل الذي تحتاجه، المطلوب هو التوازن والاعتدال، فإن الجامعة مرحلة تأسيس لمستقبلك، والعمل وسيلة دعم واستقرار، فلا يطغى أحدهما على الآخر.
ثالثا: فقه الأولويات، تعلم أن ترتب أمورك فما كان مهما وعاجلا فابدأ به، وما أمكن تأخيره فأخره، وما كان قليل الفائدة فلا تضيع وقتك فيه، فالحياة لا تدار بالعشوائية، وإنما بحسن ترتيب الأولويات، وقد قال رسول الله ﷺ: احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز.
رابعا: اختيار العمل المناسب، حاول أن تبحث عن عمل يساهم في تطوير مهاراتك ومستقبلك العلمي والمهني، لا مجرد عمل يستهلك طاقتك كلها دون فائدة بعيدة، فبعض الأعمال الشاقة بدنيا قد تستنزف وقتك وجهدك بصورة تؤثر سلبا على دراستك، بينما توجد أعمال مكتبية أو إدارية أو تقنية تساعدك على اكتساب الخبرة، وتطوير المهارات، وتحسين فرصك المستقبلية، وإتاحة وقت للمذاكرة والتعلم.
خاتمة وتوجيهات:
أخيرا أخي الكريم: اجعل قلبك متعلقا بالله تعالى، حسن الظن به، كثير الدعاء والافتقار إليه؛ فإن الله سبحانه إذا رأى من عبده صدق النية، والاجتهاد، والصبر، وطلب الحلال، فتح له أبواب الخير والرزق والبركة من حيث لا يحتسب.
فكن مع الله في برك بوالديك، وفي دراستك، وفي عملك، وفي صبرك على الشدائد، وأكثر من الدعاء والاستغفار، وحافظ على الصلاة والنوافل والطاعات، وأصلح قلبك؛ فإن صلاح الظاهر يبدأ من صلاح الباطن، وتذكر دائما قول الله تعالى: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين}، وقوله: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من حيث لا يحتسب}.
وفقك الله ويسر أمرك.