السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
جزاكم الله عنا خير الجزاء، ورزقكم الله ووفقكم.
أنا شاب أبلغ أربعة عشر عاما ونصف العام من عمري، وأعلم أني في لحظة ذهبية من العمر، وقد أنعم الله علي بأني لا أريد أن أتبع القطيع مثل الشباب الحالي؛ إذ أن أغلب الناس يخطؤون في شبابهم ومراهقتهم، وبعدها يندمون ويتحسرون، لذلك فضلا أريد وصايا منكم وتنبيهات لأشياء، إذا فعلتها في هذه المراحل من حياتي سأندم لاحقا عليها، وأشياء إذا لم أفعلها سأندم على عدم فعلها لاحقا.
أريد استثمار شبابي في ما يفيدني في ديني ودنياي، وكي لا أتبع الشهوات وخطوات الشيطان.
وشكرا.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ أحمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نشكرك على تواصلك معنا، وثقتك بموقعنا.
لعل رسالتك هذه من أجمل ما وصلنا؛ لأنها تأتي من شاب في الرابعة عشرة، وقد أدرك ما يغفل عنه كثير من الكبار، وهو أن الشباب رأس المال الأعظم الذي يبني عليه الإنسان بقية حياته، وما سعدنا بشيء كما سعدنا بهذا الوعي المبكر الذي يدل على نضج حقيقي، ورغبة صادقة في الاستقامة؛ يقول الله تعالى: ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ۚ وإن الله لمع المحسنين﴾ [العنكبوت: 69]، وأنت بسؤالك هذا قد خطوت خطوتك الأولى في طريق المجاهدة الحقيقية، وهو مجاهدة النفس وهواها.
وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك) رواه الحاكم وصححه الألباني، وانظر كيف بدأ النبي -صلى الله عليه وسلم- بالشباب تحديدا؛ لأنه الفرصة التي لا تعود.
أولا: ما ستندم على عدم فعله:
- المحافظة على الصلاة في وقتها، مع حضور القلب، فلا تكن ممن يصلون على عجل، أو يؤخرون الصلاة حتى يضيق وقتها؛ فالصلاة هي عمود حياتك كلها، وهي أول ما يسألك الله عنه يوم القيامة، واحرص على السنن الرواتب معها؛ فإنها تجعل العبادة عادة راسخة في نفسك لا تتخلى عنها مهما تقلبت بك الظروف.
- حفظ القرآن الكريم، ولو آيات يومية؛ فذاكرتك في هذه السن تتشرب المعلومات كالإسفنج، فلا تضيع هذه الفرصة الذهبية، واجعل لك وردا يوميا من حفظ القرآن، ولو آيات قليلة، فإذا واصلت على ذلك لسنوات؛ ستجد نفسك تملك كنزا يرافقك طوال عمرك، ويكون لك نورا وشفاء.
- استغل وقتك في حضور حلق العلم، والاستماع إلى العلماء الثقات، وتعلم أساسيات العقيدة والفقه؛ فالعلم الشرعي هو الذي يصون دينك، ويحميك من الضلال في وقت تتشابك فيه الأفكار، وتتعدد التوجهات، وتفتن كثير من الشباب.
- بر الوالدين الآن وليس غدا؛ فلا يعلم كثير من الشباب أن بر الوالدين له وقت محدد وهو حياتهم، فكن مع والديك بقلبك قبل يديك، وقدم لهم من وقتك ومحبتك ما يستحقانه؛ لأن هناك الكثير ممن بكوا على قبور آبائهم متمنين أنهم أمضوا معهم ساعات أكثر، وكلمات أكثر، وابتسامات أكثر.
- العقل في مرحلة المراهقة في أعلى قدرته على التعلم والاستيعاب، فاستثمر ذلك بتعلم لغة أجنبية، أو مهارة تقنية، أو فن نافع؛ فكل مهارة تتعلمها الآن ستكون رصيدا تجنيه لاحقا في حياتك المهنية والشخصية، والإنسان المتمكن من مهاراته يملك استقلاليته.
- الاختيار الواعي للأصدقاء، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الرجل على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل) رواه أبو داود والترمذي، فأصدقاؤك يشكلون شخصيتك بطريقة لا تراها إلا بعد سنوات، لذا ابحث عمن يذكرك بالله، ويشجعك على الخير، ويرفع همتك، واحذر من الجليس الذي يسهل عليك المعصية، ويزين لك الانحراف بحجة أن الجميع يفعل ذلك.
- مارس رياضة منتظمة، وانتبه لنظامك الغذائي، ونم نوما كافيا؛ فالجسم الصحي هو الوعاء الذي تؤدي فيه عباداتك، وتنجز فيه أهدافك، فهناك الكثير ممن أهملوا أجسادهم في شبابهم، ثم عانوا من أمراض مبكرة حالت بينهم وبين ما أرادوا تحقيقه.
ثانيا: ما ستندم على فعله:
- الانجراف مع رفقاء السوء تحت ضغط القطيع، أكبر مصدر للندم في حياة كثير من الناس؛ لأنهم اتبعوا أصدقاء فأوصلوهم إلى ما لا يرضي الله، ولا يرضيهم أنفسهم، وقد قال تعالى: ﴿الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين﴾ [الزخرف: 67]، فالصداقات السيئة تبدو حلوة في بدايتها، ومريرة جدا في نهايتها.
- التسلية المشروعة حق للإنسان، لكن إضاعة ساعات طويلة في الألعاب الإلكترونية، أو التصفح العشوائي في وسائل التواصل الاجتماعي هو سطو على وقتك وطاقتك دون أي مردود حقيقي؛ فالكثير ممن أدمنوا هذا في شبابهم يتحسرون الآن على تلك الساعات، والتي كان يمكن أن تبنى فيها مهارة، أو تحفظ فيها سورة، أو يقرأ فيها كتابا.
- العلاقات العاطفية المحرمة في هذه السن تسبب جراحا نفسية عميقة، وتهدر طاقة كانت أحوج ما تكون إلى البناء والنمو؛ والكثير ممن مروا بها اكتشفوا أنهم خرجوا منها بخسارة في دينهم ونفسيتهم، دون أي مكسب حقيقي، وأن ما بني على غير أساس من رضا الله لا يمنح صاحبه إلا القلق والحسرة.
- مرحلة الدراسة لا تعود، وكثير من أصحاب المواهب الذين أهملوا دراستهم في المراهقة، يعانون لاحقا من محدودية الخيارات في حياتهم المهنية؛ فالتفوق الدراسي لا يعني أنك معجب بكل مادة في المنهج، بل يعني أنك تفهم أن هذا الطريق يفتح أمامك أبوابا كثيرة لن تفتح بدونه.
- الغرور والكبر، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر) رواه مسلم، فالغرور بالذكاء، أو الشكل، أو النسب يعمي صاحبه عن عيوبه، ويجعله يكف عن التطور والنمو، فتواضع مع الناس يحبك الله، ويحبك الناس.
يقول الشاعر
من لم يذق مر التعلم ساعة ** تجرع ذل الجهل طول حياته
فالسعيد من يذوق مرارة الجد في شبابه، ليحصد حلاوة الثمار في كبره، ويكفيك شرفا أنك في هذه السن المباركة تبحث عن طريق الصواب، وتسأل عن طريق من لا يندم؛ فأبشر فإن الله مع من أراد الخير، وجاهد نفسه من أجله.
نسأل الله أن ييسر أمرك، وأن يشرح صدرك، وأن يهديك سواء السبيل.