السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
بارك الله فيكم.
أنا كنت محافظا على صلاة الفريضة والرواتب، وأختم القرآن كل 7 أيام، واستمررت على هذا أكثر من 3 سنوات، ثم في رمضان الماضي سمعت درسا عن الختم في 3 أيام، وعن آثاره المعنوية والمادية، فتحمست كثيرا، وبدأت في رمضان الماضي، واستمررت شهرين، لكن النتيجة كانت عكسية تماما، توقفت فجأة عن قراءة القرآن، ولم أستطع الرجوع حتى للختم في 7 أيام.
شعرت بالإحباط لعدم حدوث أي شيء، حتى إنني كنت أتمنى أن أرى رؤيا فقط، لا حدوث شيء مادي، وبدأت أقول لنفسي: ليس هذا مراد الله أن نكثر في العبادة، بل هي آراء وتوجهات بشرية، وأقول لنفسي: كن "شخصا عاديا، حافظ على الفروض فقط".
لكن هذا أثر علي بشكل كبير، أشعر أني دخلت في اكتئاب، ونوم كثير، وعدم الرغبة في عمل أي شيء، والعصبية من أقل شيء، بدأت في سماع الأغاني والمسلسلات، وبدأت أجمع الصلوات، وما زلت أحافظ على الرواتب.
محتاج رأيكم.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمد .. حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نشكرك على تواصلك معنا، وثقتك بموقعنا، ونسأل الله العلي العظيم أن يربط على قلبك، وأن يثبتك على الحق، وأن يعيدك إلى رحاب طاعته عودا جميلا، وأن يشرح صدرك وييسر أمرك، وقد اطلعنا على استشارتك، ونود أن نوضح لك الإجابة على سؤالك في النقاط التالية:
أولا: أزمة طالب حقيقي:
فهمنا من رسالتك -أخي الكريم- أنك تمر بمرحلة صعبة، انتقلت فيها من ثبات إيماني راسخ، امتد لأكثر من ثلاث سنوات، إلى فتور مفاجئ أربك حياتك كلها، وهذا الصدق الذي وصفت به حالك، يدل على أن قلبك لم يمت، وأن ما تعيشه هو أزمة طالب حقيقي، لا أزمة معرض عن الله.
ثانيا: ما الذي حدث بالضبط؟
الخطأ لم يكن في حماسك، ولم يكن في رغبتك الصادقة في التقرب إلى الله، فتلك نعمة عظيمة يحرم منها كثيرون، لكن ما حدث هو أن الحماسة نقلتك -دون أن تشعر- من عبادة الله لذاته، إلى عبادته لأجل نتيجة محددة مسبقا، حين سمعت الدرس عن آثار الختم في ثلاثة أيام، وانعكاساته المعنوية والمادية، اتجهت توقعاتك نحو رؤى أو مكسب مادي، فأصبحت العبادة وسيلة لهدف دنيوي، لا غاية في ذاتها، وحين لم تتحقق تلك النتيجة، شعرت بخيبة أمل عميقة، وكأن الصفقة لم تنجح، فانسحبت.
وهذا ما يسميه علماء التزكية انتكاسة الشرة، أي أن الاندفاع الشديد في البداية، يفضي في الغالب إلى توقف مفاجئ لاحقا، وقد أخبرنا النبي ﷺ بهذه الحقيقة قبل أن تقع، فقال: إن لكل عمل شرة، ولكل شرة فترة، فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك (رواه الإمام أحمد).
ثالثا: حكم الختم في ثلاث والمدة المشروعة:
من الناحية الشرعية، أجاز بعض العلماء الختم في ثلاثة أيام لمن كان قادرا على ذلك، لكنهم اشترطوا التدبر والفهم، وعدم الإفضاء إلى الملل والانقطاع، بل روى أبو داود عن ابن عباس، رضي الله عنهما، أن النبي ﷺ قال: من قرأ القرآن في أقل من ثلاث لم يفقهه.
أما الختم في سبعة أيام، الذي كنت عليه، فهو ما أقره العلماء وأثنوا عليه؛ لأنه يجمع بين الاستمرار والتدبر، وقد قال النبي ﷺ: أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل رواه البخاري ومسلم.
المشكلة إذا لم تكن في الكمية، بل في السبب الذي دفعك إلى الزيادة، حين تبنى الزيادة في العبادة على توقع نتيجة مادية، لا على محبة الله، تصاب النفس بالإحباط حتما، حين لا تجيء تلك النتيجة، قال الله تعالى: {فاعبد الله مخلصا له الدين} [الزمر:2]، وإخلاص الدين يعني أن تعبد الله لأنه يستحق العبادة، لا لأنك تنتظر رؤى أو مكسبا.
رابعا: الأعراض النفسية والروحية والفتور:
الأعراض النفسية التي تعانيها، وما تصفه من كثرة النوم، وفقدان الرغبة في العمل والإنتاج، والعصبية من أقل الأسباب، وميلك إلى الترفيه من أغاني ومسلسلات، كل هذا لا يمكن تجاهله أو الاستهانة به، فهذه مؤشرات نفسية تحتاج لتقييم نفسي من مختص.
ومن الناحية الروحية، اعلم أن الابتعاد عن القرآن، والتحول إلى الأغاني والمسلسلات، لا يعالج هذا الفراغ الداخلي، بل يزيده عمقا، فالقلب الذي اعتاد كلام الله، يشعر بالقسوة والشح حين يحرم منه، قال تعالى: {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} [الرعد: 28].
ومما يعزي في هذا السياق، أن الفتور الإيماني مر به حتى صحابة النبي ﷺ، فقد جاء حنظلة، رضي الله عنه، مهموما يقول: نافق حنظلة! فلما سألوا النبي ﷺ أجاب: يا حنظلة، ساعة وساعة رواه مسلم، فتفاوت الأحوال طبيعي، والمؤمن الحقيقي هو من يعود بعد الفتور، لا من لا يفتر.
خامسا: خطوات عملية ومهمة للعودة:
من الأمور التي ستعينك بإذن الله:
أولها: ابدأ بمقدار قليل جدا، لا تضع على نفسك الآن هدف الختم في سبعة أيام، ابدأ ولو بنصف جزء يوميا، أو ما تطيقه، المهم أن تعود وأن تستمر، فالاستمرار على القليل هو مفتاح العودة، وسنة النبي ﷺ.
وثانيها: جدد نيتك قبل كل قراءة، قل في نفسك قبل أن تفتح المصحف: أقرأ هذا لأن القرآن كلام ربي، وأنا أحبه، لا لأنتظر رؤى أو نتيجة، هذا التجديد للنية وحده كفيل بأن يغير كثيرا.
وثالثها: أعد صلاتك إلى وقتها فورا، جمع الصلاة من غير عذر شرعي معتبر، أمر يؤثر على القلب أشد التأثير، فالصلاة في وقتها هي عمود الحياة الإيمانية، وضامن الاستمرار.
ورابعها: كن حذرا من المحتوى الذي يعدك بنتائج مادية، أو رؤى مرتبطة بأعداد الأذكار، أو ختمات بعينها، فكثير من هذا المحتوى لا يستند إلى أساس شرعي متين، وقد أضر بكثير من الناس أكثر مما نفعهم، سل أهل العلم المعتمدين في بلدك عن المصادر الموثوقة.
وخامسها: ابحث عن رفقة صالحة تعينك على الطاعة، وتذكرك بالله، قال تعالى: {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه} (الكهف: 28)، وفي ختام هذه الخطوات، تذكر دائما قوله سبحانه: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين} (العنكبوت: 69).
ختاما: عليك أن تعلم أن العودة إلى الله بعد الفتور ليست سهلة، لكنها تستحق كل خطوة، والذي حافظ على صلاته وراتبته، حتى في أحلك لحظاته، لم يبتعد بعيدا، بل هو أقرب مما يظن.
نسأل الله العلي القدير أن ييسر أمرك، وأن يشرح صدرك، وأن يهديك سواء السبيل، وأن يعيد لقلبك نوره وطمأنينته، ويديم عليك فضله وكرمه، ويجعلك من عباده المخلصين.
هذا، وبالله التوفيق.