بعد نوبة هلع أصابتني وساوس كفرية، فكيف أتخلص منها؟

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

جزاكم الله خيرا على نصائحكم وإرشاداتكم التي تقدمونها.
لست معتادا على كتابة الاستشارات، حتى إنني كنت مترددا طوال الشهرين الماضيين في إرسال هذه الاستشارة، ومشكلتي كالتالي:

قبل سبعة أشهر أصبت بنوبة هلع وخوف شديدين، تبت بعدها إلى الله توبة عامة، والحمد لله، لكن منذ ذلك الوقت أصبح لدي حساسية مفرطة، ووعي زائد ببعض الأمور، وخاصة مسائل الكفر، -والعياذ بالله-.

بدأت أدخل في حالة من الاجترار الفكري المستمر، فكلما تذكرت كلمة قلتها في الماضي، أو فعلا فعلته قبل أن أتعلم، أذهب فورا للبحث عنه، فأصدم وألوم نفسي قائلا: كيف لم أكن أعلم هذا؟ هل كنت جاهلا؟ كيف فعلت ذلك؟

ولقد تذكرت بعض الألفاظ التي كنت قد تلفظت بها في الماضي، وأصبحت أفتش خلفها وأقول لنفسي: هناك كلام لا يعذر فيه بالجهل، مما جعلني أعيش في دوامة أشبه بالجنون، أبحث عن مخرج أو منجى، وأقنع نفسي تارة بأن اللفظ يحتمل معاني أخرى وليس كفرا، وتارة أعود إلى الشك والقلق الشديد.

ومنذ فترة بسيطة خفت حدة الأفكار قليلا، لكن هناك شعورا داخليا دائما ومستمرا بالضيق والقلق لا ينفك عني أبدا، مما يدفعني إلى البحث مجددا في تلك المسائل الشائكة لعلني أرتاح، فأحيانا أرتاح مؤقتا، لكن غالبا ما يزداد قلقي وتشتتي بعدها، علما أنني قرأت معظم الاستشارات والفتاوى على موقعكم هذا، ويضاف إلى ذلك كله وجود وساوس عديدة أخرى في باب الطهارة وغيره.

أصبحت أشك حتى في ذكرياتي، وفي مشاعري، بل حتى في نفسي، وتأتيني أفكار غريبة تصيبني بالقلق أحيانا، فأقول في نفسي: لو وقعت في ذنب الآن، فهل تعود علي كل ذنوبي السابقة؟ وهل تبت توبة صحيحة؟

أشعر أنني متناقض، وأنني دائم الوقوع في الذنوب، على الرغم من محاولاتي الضعيفة في الابتعاد عنها، وأنني مهما استغفرت فلن يكون ذلك كافيا، ولا أعلم بالضبط ماذا أفعل، فكلما حاولت إيجاد حل فشلت، بل أزيد الأمر تعقيدا.

لدي عديد من التساؤلات الأخرى، وأود كتابة المزيد، لكن لا أعلم ماذا أضيف، وسؤالي هو: ما تفسير هذه الحالة؟ هل أنا أبالغ، أم أن الأمر طبيعي؟ وما الحل؟

وجزاكم الله عني خير الجزاء.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ سيف حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يشرح صدرك، وأن يثبت على الإيمان قلبك، وأن يرزقك اليقين والطمأنينة، وأن يصرف عنك الوساوس والهموم، ونحن نتفهم سؤالك، وسنجيبك من خلال ما يلي:

أولا: من المهم أن تعلم أن ما تصفه ليس أمرا نادرا، بل هو مسار يتكرر كثيرا عند بعض الناس، خاصة بعد التوبة، أو بعد نوبة هلع، أو صدمة نفسية، فبعد أن كان الإنسان غافلا عن بعض الأمور، يصبح شديد المراقبة لنفسه، ثم يتحول الحرص المحمود إلى تفتيش مرضي، واستجواب دائم للذات، فينتقل من التقصير إلى الوسواس، ومن الغفلة إلى الإرهاق، ولذلك فإن أول ما نراه في رسالتك ليس مشكلة عقدية، بل مشكلة وسواس واجترار فكري، تغذيه الحساسية الزائدة والخوف المستمر.

ثانيا: أكثر ما لفت انتباهنا في كلامك أنك لم تعد تشك في الأقوال والأفعال فقط، بل بدأت تشك في (ذكرياتك، ونيتك، ومشاعرك، وصحة توبتك، وحتى في نفسك)، وهذه علامة بارزة في الوسواس؛ لأن الموسوس لا يتوقف عند جواب، بل ينتقل من سؤال إلى سؤال، ومن شك إلى شك، ولذلك تجد أنك تبحث لتطمئن، ثم تزداد قلقا بعد البحث بدلا من أن ترتاح، وهكذا يستدرجك الشيطان.

ثالثا: قولك: "هل كنت جاهلا؟"، و"هل هناك أشياء لا يعذر فيها بالجهل؟"، و"هل كنت كافرا؟"، يدل على أنك تحاكم نفسك اليوم بعلمك الحالي على أفعال وقعت في زمن مختلف، وهذا خطأ منهجي، لأنه لو صح ما فهمت، فإن الله تعالى لا يحاسب العباد إلا بعد قيام الحجة ووضوح العلم، قال تعالى: {وما كنا معذبين حتىٰ نبعث رسولا}.

رابعا: الذي يقرأ رسالتك يرى بوضوح أنك تخاف من الكفر، وهذا الخوف في أصله دليل إيمان، لا دليل كفر؛ لأن المنافق لا يعيش هذا الصراع أصلا، وإنما المشكلة أنك صرت تفتش في كل زاوية من الماضي بحثا عن شيء تدين به نفسك.

خامسا: سؤالك: "لو وقعت في ذنب الآن، فهل تعود كل ذنوبي السابقة؟" هو من جنس الوساوس، لا من جنس الفقه؛ لأن الله يقول: {إن الله يغفر الذنوب جميعا}، والتوبة الصادقة تمحو ما قبلها، والذنب الجديد يحتاج إلى توبة جديدة، لكنه لا يعيد الذنوب القديمة التي تاب العبد منها.

سادسا: من أخطر ما تفعله الآن أنك كلما ضاق صدرك عدت إلى البحث في مسائل الكفر، والتوبة، والردة، والجهل، وأنت تظن أنك تعالج المشكلة، بينما الواقع أنك تطعم الوسواس وتزيده قوة، ولذلك ننصحك نصيحة واضحة:

• توقف عن البحث في هذه المسائل فترة من الزمن.
• توقف عن قراءة فتاوى التكفير والردة.
• توقف عن مراجعة الماضي ومحاكمته.

لأن مشكلتك الآن ليست نقص معلومات، بل زيادة تفتيش.

سابعا: من الناحية التربوية، لا تجعل علاقتك بالله قائمة على الخوف فقط، بل اجمع بين الخوف والرجاء، فإن الله سبحانه وصف عباده بقوله: {يدعون ربهم خوفا وطمعا}، والشيطان يريد أن يحول الدين عندك إلى محكمة تحقيق دائمة، بينما أراد الله أن يكون الدين باب هداية وسكينة ورحمة.

ثامنا: طريق التعافي العملي في حالتك:
من المهم الانتقال من الجانب النظري إلى الجانب العملي في التعامل مع هذه الحالة، إذ إن العلاج الحقيقي للوساوس لا يكون بكثرة التحليل، وإنما بتغيير نمط التعامل معها، وذلك من خلال الخطوات التالية:

• عدم الاستجابة للأسئلة الوسواسية.
• المحافظة على الصلوات والأذكار.
• ورد يومي من القرآن دون تفتيش.
• الانشغال بعمل أو دراسة أو رياضة.
• عدم سؤال نفسك كل يوم: هل توبتي صحيحة؟
• وإذا عاد السؤال، فقل: تبت إلى الله، وانتهى الأمر.
• البحث عن صحبة صالحة من أهل العلم والدين، والحديث معهم فيما يدفعك إلى الأمام.

بهذا، أخي، تتجنب ما وقعت فيه من وساوس، واحفظها عنا جيدا: إهمال الوسواس، والاستهزاء به، وعدم التماهي معه، هو الطريق الوحيد للعلاج بعد الاستعانة بالله تعالى.

ختاما: ما تعانيه ليس مشكلة عقدية، بل هو مشكلة وساوس، ولذلك لا تبحث عن مزيد من الأدلة والفتاوى، بل ابحث عن طريقة للخروج من دائرة الوسواس نفسها، لأن المشكلة أصبحت في آلية التفكير أكثر من كونها في الأحكام الشرعية.

نسأل الله أن يثبتك على الإيمان، وأن يشرح صدرك، وأن يرزقك يقينا لا يتزعزع، وأن يصرف عنك الوسواس والقلق، وأن يجعل توبتك مقبولة، وعملك صالحا، وأن يبدل هذا الاضطراب سكينة وطمأنينة، والله الموفق.

مواد ذات صلة

الاستشارات