كيف أكون من الذين لا يريدون علوًا في الأرض ولا فسادًا؟

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

جزاكم الله خيرا على ما تقدمونه من الخير، وهي دعوة من القلب.

وسؤالي هو: كيف أكون من الذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا؟ أريد أن أحقق ذلك، وأرجو منكم المساعدة، جزاكم الله خيرا، وكيف أواجه الأمراض القلبية التي قد تواجهني في تحقيق هذا الأمر؟

شكرا لكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ عبد الله حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يرزقك قلبا سليما، ونفسا متواضعة، وأن يجعلك من عباده الذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا، وأن يحسن خاتمتنا وخاتمتك، وسوف نجيبك على ما ذكرت من خلال ما يلي:

أولا: اعلم أن من أعظم نعم الله على العبد أن يقلقه مرض قلبه أكثر مما يقلقه مرض جسده، وأن يسأل: كيف أنجو من العلل كالكبر وحب الظهور والعلو مثلا؛ فإن كثيرا من الناس يخافون على أموالهم وأبدانهم، وقليل منهم من يخاف على قلبه، وقد مدح الله أهل الإيمان بقوله: {تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين}، فتأمل أنه قال: {لا يريدون}، فجعل الثناء متعلقا بإرادة القلب قبل العمل الظاهر.

ثانيا: اعلم كذلك أن العلو المذموم ليس أن يرفعك الله بالعلم، أو المال، أو المنصب، أو المكانة، وإنما أن تطلب رفعة نفسك على الخلق، وأن تفرح بأن تكون فوقهم، لا بأن تكون أقرب إلى الله منهم.

ثالثا: من أنفع ما يعين على التخلص من إرادة العلو أن تتذكر حقيقة نفسك: من أين جئت؟ وإلى أين تذهب؟ وما مصير هذا الجسد بعد الموت؟ قال تعالى: {منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى}، فمن عرف أصله ومآله هان عليه التكبر على عباد الله.

رابعا: راقب قلبك عند المواقف الدقيقة: هل تفرح إذا مدحت؟ هل تتضايق إذا نسي اسمك؟ هل تحزن إذا سبقك غيرك؟ هل تحب أن يكون لك التميز والظهور؟ وليس المقصود ألا تجد شيئا من ذلك، فهذه طبائع بشرية، وإنما المقصود أن تجاهدها، ولا تسترسل معها، ولا تطلبها لذاتها.

خامسا: إن من أعظم أسباب سلامة القلب أن تعظم الخلق في نفسك من جهة حقوقهم لا من جهة حاجتك إليهم، فترى أن لكل مسلم حرمة وكرامة، وأن فضل الله قد يسبق به أقل الناس في نظرك، وقد كان السلف يخافون أن يكون غيرهم عند الله أفضل منهم.

سادسا: كذلك يجب أن تعلم أن الأمراض القلبية لا تهزم دفعة واحدة، بل بالمجاهدة المستمرة، وقد قال الله تعالى: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا}، فكلما شعرت بحب المدح قاومته، وكلما شعرت بحب الشهرة راجعت نيتك، وكلما وجدت في نفسك إعجابا بها ذكرتها بعيوبها وتقصيرها.

سابعا: من العلاج العملي:
- الإكثار من الأعمال الخفية التي لا يعلمها الناس.
- الدعاء للمسلمين بظهر الغيب.
- الاجتهاد في الفرح بنجاح غيرك كما تفرح لنفسك.
- قبول النصيحة ولو جاءت ممن هو أصغر منك أو أقل علما.
- تعويد النفس على قول: لعل غيري عند الله خير مني.

ثامنا: لا تنشغل بتفتيش قلبك كل ساعة؛ لأن بعض الناس ينتقل من مجاهدة الكبر إلى الوسواس في النية؛ والمطلوب أن تعمل، وتجاهد، وتستغفر، فإذا وجدت من نفسك ميلا إلى العلو قاومته، وإذا وقعت في شيء منه تبت منه.

تاسعا: من أجمل الأدعية في هذا الباب أن تسأل الله قلبا سليما، فقد قال تعالى: {يوم لا ينفع مال ولا بنون * إلا من أتى الله بقلب سليم}، وكان من دعاء النبي ﷺ أنه كان يقول: اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، ... وأسألك قلبا سليما، وأسألك لسانا صادقا ...، وكان من دعاء بعض السلف: "اللهم إني أعوذ بك من شر نفسي، ومن الكبر، والعجب، والرياء".

عاشرا: اعلم أن علامة التوفيق ليست أن تشعر أنك وصلت، بل أن تبقى خائفا من تقصيرك، راغبا في إصلاح نفسك، وكلما ازددت علما ازددت تواضعا، وكلما ازددت قربا من الله ازددت معرفة بعيوب نفسك وحاجتك إلى رحمته.

حادي عشر: صحبة أهل التواضع من الصالحين معين لك على إصلاح قلبك، مع كثرة الدعاء لله عز وجل.

نسأل الله أن يرزقك قلبا سليما، ونية صادقة، وتواضعا يرفعه الله به، وأن يجعلك من الذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا، وأن يعيذك من أمراض القلوب كلها، ظاهرها وباطنها، والله الموفق.

مواد ذات صلة

الاستشارات