صرت محبطة لعدم التزامي ببرنامج دراسي أنظم به وقتي وأستدرك ما فاتني!

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا طالبة جامعية، أعاني من صعوبات في الدراسة منذ سنوات، لا ألتزم بمراجعة يومية، أو بالبرنامج الدراسي الذي وضعته منذ دخولي هذا التخصص؛ مما سبب لي الإحباط، والمقارنات؛ لأنني لو درست أكثر لكنت في مكان أفضل؛ مما جعل ذلك كالعبء، ليس فقط في الدراسة، بل حتى في المهام اليومية، وأداء الطاعات، ولم يعد لدي أي دافع أو همة على الفعل، وتمر الأوقات دون استغلال نافع، وأضع أهدافا كحفظ القرآن، وقراءة الكتب، ولكن لا ألتزم أو أبادر بفعل.

لا أعلم كيف أغير من نفسي؟! وليس لدي إنجازات يومية، أو تطوير لنفسي، وأرى أن المشكلة في ضعف مستواي الدراسي فقد أثر على جوانب كثيرة في حياتي، بحيث لم أعد أستطيع التغلب على نفسي وضبطها، فهل يمكنكم توجيهي؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ إكرام حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نشكركم لتواصلكم معنا وثقتكم بموقعنا.

فهمنا من رسالتك أنك تعانين من جملة متشابكة من التحديات، تبدأ من صعوبة الالتزام الدراسي، وتمتد لتطال الحياة اليومية، والعبادات، والأهداف الشخصية؛ مما أوجد لديك شعورا بالإحباط، وضعف الدافعية، وثقل الوقت الضائع.

وأود أن أقول لك ابتداء: مجرد أنك تكتبين هذه الرسالة، وتطلبين التوجيه، دليل صادق على أن بداخلك روحا تريد النهوض، وهذه بحد ذاتها نقطة قوة حقيقية.

أولا: ما تصفينه يشبه كثيرا ما يعرفه علماء النفس بـدوامة العجز المكتسب؛ وهي حالة تتراكم فيها تجارب الفشل المتكررة، حتى يقتنع الإنسان أن الجهد لا جدوى منه، فيتوقف عن المحاولة، لا كسلا، بل حماية لنفسه من ألم التوقعات المحبطة، وهذا ليس عيبا في شخصيتك، بل هو استجابة إنسانية طبيعية لموقف تراكم مع الزمن.

والإحباط الذي تشعرين به من المقارنة بما كان يمكن أن تكوني عليه يزيد الثقل ثقلا؛ لأن الإنسان حين يقارن واقعه بنسخة متخيلة مثالية من نفسه يقع في مصيدة لا نهاية لها، يقول الله عز وجل: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾، وهذه الآية ليست مجرد تسلية، بل هي حقيقة نفسية عميقة: الله الذي خلقك يعلم طاقتك، وهو لم يكلفك بما لا تطيقين.

ثانيا: لفت انتباهي أنك تقولين: "لا أعلم كيف أغير من نفسي"، هذه العبارة تكشف أن المشكلة ليست في غياب الإرادة، بل غياب الأدوات والطريقة الصحيحة؛ فكثير من الناس يضعون أهدافا كبيرة كحفظ القرآن، وقراءة الكتب، ثم يفشلون في البداية؛ لأنهم يبدأون من السقف لا من الباب، والحل ليس في مزيد من العزيمة، بل في تغيير طريقة التفكير في الهدف نفسه.

ثالثا: خطوات عملية تبدئين بها:
الأمر الأول: قاعدة الخطوة الواحدة، وهي أن تضعي هدفا يوميا واحدا فقط، صغيرا جدا لدرجة أنه يبدو بسيطا مثل: أن تقرئي صفحة واحدة من المقرر، أو تراجعي درسا واحدا لمدة خمس عشرة دقيقة، والسر أن إنجاز الهدف الصغير يبني ثقة تتراكم، ويكسر الجدار النفسي بين أريد وأفعل.

الأمر الثاني: افصلي بين هويتك ونتيجتك الدراسية؛ فضعفك في التخصص لا يعني أنك إنسانة ضعيفة، بل يعني أنك تحتاجين إلى أسلوب دراسي مختلف، أو دعم إضافي، فهل استشرت أحد أساتذتك، أو زملائك المتميزين في طريقة دراستهم؟

الأمر الثالث: احذري من جداول الأهداف الكبيرة؛ فالجدول المثالي الذي تضعينه ثم لا تلتزمين به يصبح سلاحا يقتلك كل يوم، ولكن عوضا عن ذلك، ضعي قائمة من ثلاثة أشياء فقط تريدين إنجازها كل يوم.

الأمر الرابع: اربطي يومك بالصلاة؛ فخمس صلوات تعني خمس محطات لإعادة ضبط النفس، وبعد كل صلاة ابدئي بمهمة واحدة، حتى لو لمدة عشر دقائق، فهذا الربط يجعل يومك منظما بدون الحاجة إلى جدول معقد.

رابعا: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل) رواه البخاري ومسلم، وهذا درس بالغ الأهمية؛ فربنا الرحيم لا يريد منا البطولة، بل يريد منا الاستمرار، وعشر دقائق مراجعة كل يوم خير من ثماني ساعات في يوم، أو أيام فراغ.

ومما يعين على كسر الكسل: الدعاء الذي علمنا إياه النبي -صلى الله عليه وسلم-: (اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل) رواه البخاري، فأكثري منه صباحا، واجعليه بداية يومك.

خامسا: إذا استمر هذا الشعور بانعدام الدافعية، وثقل المهام اليومية، والعبادات لفترة مطولة، فلا بد أن تستشيري أخصائية نفسية مؤهلة؛ لأن ما تصفينه قد يكون له أبعاد تحتاج إلى تقييم دقيق، وطلب المساعدة ليس ضعفا، بل هو أول خطوات القوة.

نسأل الله أن ييسر أمرك، وأن يشرح صدرك، وأن يهديك سواء السبيل.

مواد ذات صلة

الاستشارات