السؤال
والدي يبلغ من العمر تسعة وسبعين عاما، وهو مريض منذ أربعة أشهر؛ حيث أصيب بكسر وجعله ذلك لا يتحرك من السرير، هو سليط اللسان، ويشتم بألفاظ قبيحة، ويسب الدين، ورغم أنه يتعرض لأزمات صحية خطيرة -وآخرها أنه كان يجري عملية جراحية خطيرة- إلا أنه عندما يتماثل للشفاء يعود إلى التصرفات نفسها مجددا.
المال عنده هو كل حياته، وهو أهم من أولاده، نحن نخدمه، والله لسنا متعبين من الخدمة، رغم أنه يتعمد إرهاقنا وإضعاف صحتنا، ونحن نعود ونقول: لا مشكلة، وعندما تأتي ممرضة شابة لتقدم له رعاية طبية، يتعمد لمس جسدها.
أنا حزينة منه وعليه كثيرا، وأخاف عليه من عقاب الله، ورغم أن الله ينجيه في كل مرة من أمر خطير، يقوم بعد ذلك ليكون ظالما وقاسيا في حقنا أنا وأمي وأختي، ويسب لنا الدين، والله أنا أحبه جدا رغم قسوته في حقي، ولكن عندما أحزن منه كثيرا بسبب الإهانة، أقول: (يا رب خذ أمانتك فقد تعبت والله)، ثم أعود وأحزن من نفسي وأستغفر.
أنا مهما كتبت عن قسوته وظلمه، ومدى استغلاله للناس من أجل المال، رغم أنه يملك أموالا كثيرة جدا، وقد منع عني وعن أختي هذه الأموال ويقول: (لن تريا جنيها واحدا)؛ أنا لا أريد منه مالا، فأنا والحمد لله أعمل ومرتبي معي، وأنا مطلقة منذ أربعة عشر عاما، وعمري ثمانية وثلاثون عاما، وليس لدي أولاد، وأختي متزوجة.
أنا خائفة أن يعاقبني الله؛ لأنني أحيانا أتمنى له الموت، ورغم أنني باختصار شديد أذكر ما يفعله ولا أقول كل شيء، إلا أنني خائفة عليه من عقاب الله بسبب ما يفعله بي وبأختي وبأمي، وبسبب طريقته في استغلال المال، فماذا أفعل بالله عليكم؟ مع العلم أننا والله لا نتأخر في أي خدمة له رغم قسوته معنا.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ سائلة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك أختي الفاضلة في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله أن يوفقنا وإياك لصالح القول والعمل.
أختي الفاضلة، سؤالك يحمل في طياته معاناة ومشكلة متكررة؛ فهو يمزج بين ألم الإساءة والظلم، وبين تأنيب الضمير والخوف من الله، وصراع بين رغبتك في البر والإحسان وبين أب قاس في قوله وفعله، وما يسببه من أذى نفسي ولفظي متكرر.
لذلك، بداية -أختي الفاضلة-: لا بد أن تستشعري أجر الصبر والاحتساب لله تعالى، فكمال البر يكون مع شدة الصبر والاحتمال؛ وهذا بحد ذاته ابتلاء من الله تعالى، وعليك الصبر والاحتساب وتعزية النفس بأجر الآخرة وما أعده الله تعالى من ثواب البر ومقابلة الإساءة بالإحسان، قال تعالى: ﴿وقضىٰ ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا ۚ إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا ربكم أعلم بما في نفوسكم ۚ إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفورا﴾ وجاء في الحديث: (ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب، ولا هم ولا حزن، ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه).
الأمر الآخر، أن والدك رجل يقترب عمره من الثمانين، وفي هذا السن تحدث الكثير من التغيرات المرتبطة بالشيخوخة، فالجلوس الطويل في الفراش بسبب الكسر مع الاختلاط بالناس قد يغير من كيمياء الدماغ وسلوك الإنسان.
كذلك فإن بذاءة اللسان، وسب الدين، والتصرفات غير اللائقة مع الممرضات قد تكون مؤشرات على بداية تغيرات عقلية مثل الخرف أو الزهايمر أو الاضطرابات السلوكية المصاحبة للشيخوخة، وليست بالضرورة ناتجة عن سوء خلق منه؛ لذلك من المهم جدا عرضه على طبيب مختص في طب الشيخوخة أو طبيب مخ وأعصاب للتأكد من كل ذلك.
وهذا بحد ذاته سيساعدك على التخلص من كثير من مشاعر الذنب، وحسن التعايش مع المشكلة؛ فعندما تدركين أن ما يصدر منه قد يكون ناتجا عن تغيرات مرضية طارئة، يكون وقع الإساءة على نفسك أقل حدة وتأثيرا.
أختي الفاضلة، مشاعرك في ظل هذه الضغوط مشاعر طبيعية، فتمنيك موت والدك في لحظات الضيق والضعف لا بد من التوبة منها، وعدم تكرارها، فهي غالبا ردة فعل وليس بالضرورة كراهية له، بل قد يكون تعبيرا عن رغبتك في انتهاء هذا الألم والمعاناة، لا رغبة في إيذائه، فالله عز وجل يعلم سرك ونجواك، ويعلم حجم الضغط الذي تعيشينه، لذلك ننصحك في مثل هذه المواقف بما يلي:
أولا: الإكثار من الاستغفار والتوبة والصدقة، والاستعاذة بالله من الخواطر السيئة، خاصة ما يتعلق بتمني موت الوالد؛ فقد تكون كثير من تصرفاته ناتجة عن الكبر والمرض.
ثانيا: التوقف عن المواجهة أو النصح في أوقات الغضب والانفعال؛ لأن ذلك غالبا ما يؤدي إلى ردود فعل أشد غضبا وتوترا.
ثالثا: استغلال لحظات الهدوء والسكينة للحوار الهادئ معه، وتذكيره بالله تعالى بطريقة غير مباشرة، وبيان ما أعده الله للصابرين والمحسنين.
رابعا: الاستعانة بأصدقائه المقربين والصالحين أو قرابته المحيطين به ممن لهم مكانة وتأثير، والإكثار من جلوسهم معه وتذكيره بالله تعالى، وخطورة سب الدين، وأنه قد بلغ مرحلة من العمر تستوجب الاستعداد للقاء الله بالإكثار من الأعمال الصالحة والإحسان والصدقة، كما ويفضل استبدال الممرضات بممرض متدين ليقوم بهذا الدور أيضا، ويذكره بالله تعالى، وكذلك لتجنب أي سلوك خاطئ منه.
خامسا: الحرص على الإحسان إليه بالهدية والاهتمام البالغ، والسعي إلى ما يرضيه في حدود الشرع، والدعاء له بالعفو والعافية وحسن الختام.
ولا بد أن تعلمي أن الطاعة إنما تكون في المعروف، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وما تبذلينه من الإحسان والبر هو حد الاستطاعة الذي كلفك الله تعالى به، قال سبحانه: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾، فإذا أمرك والدك بمعصية أو فساد فلا طاعة له، ومع ذلك يبقى حق الإحسان إليه والمعروف قائما، حتى مع عدم طاعته في المعصية.
أخيرا: أنت تعيشين وضعا شخصيا يحتاج إلى قدر من الهدوء والسكينة لتتمكني من تجاوز هذه المرحلة الصعبة من حياتك، خاصة بعد تجربة الطلاق، ووجود هذه الضغوط اليومية وتفاقمها المستمر قد يزيد من العبء النفسي، وربما يؤدي إلى الاكتئاب أو غيره من المضاعفات النفسية، لذلك احرصي على الخروج من دائرة الصراعات بين الحين والآخر، من خلال ممارسة أنشطة نافعة تشغلين بها وقتك، كالأعمال التطوعية والخيرية، أو حفظ القرآن الكريم، أو حضور حلقات العلم والمحاضرات التي تعينك على تحقيق الهدوء والاستقرار النفسي.
ومما يساعدك أيضا توزيع مسؤولية الخدمة بينك وبين والدتك وأختك؛ حتى تتاح لكل واحدة منكن فرصة للراحة واستعادة التوازن النفسي.
وأخيرا: بادري إلى الإكثار من ذكر الله تعالى والأعمال الصالحة، والحرص على تلاوة القرآن الكريم؛ فكل هذه الأعمال تقربك من الله تعالى، وتمنحك الطمأنينة والسكينة، وتخفف عنك هذه الضغوط، وتعينك على مواجهة ما تمرين به من تحديات في حياتك.
وفقك الله، ويسر أمرك، وأعانك على الخير.