أخشى المصائب والمحن عند قراءة {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}!

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

مشكلتي كبيرة، وهي أنني عندما أقرأ في الصلاة: {اهدنا الصراط المستقيم}، أجد في نفسي كأن شيئا يقول لي: "لا تطلب الهداية، لأنك لو اهتديت: ستنزل عليك المصائب والمحن، فالأنبياء كانوا مهتدين، ولكنهم عاشوا في ابتلاء، وأيضا ستحرم نفسك من أمور كنت ستستمتع بها".

وكذلك الأمر عند دعائي بـ (سيد الاستغفار): "وأنا على عهدك ووعدك".

فأرجو أن تعلموني علما أعرف به أن هذا الكلام الذي أجده غير صحيح.

جزاكم الله خيرا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ عبد الله حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يثبت قلبك على الإيمان، وأن يرزقك الهدى والتقى والعفاف والغنى، وأن يصرف عنك وساوس الشيطان وكيده، وقد قرأنا كلامك، ودعنا نجيبك من خلال ما يلي:

1- من سنن الله أن الشيطان لا يترك العبد إذا أقبل على الله، بل يحاول أن يفسد عليه أعظم العبادات وأشرف المقاصد، وقد قال تعالى: {إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا}، وهذه العداوة باقية، وعليه فاحمد الله العظيم أنك على الطريق المستقيم، فما دمت تدعو الله بالهداية، وتقرأ القرآن، وتستغفر، ثم تجد هذه الخواطر؛ فهذه علامة على أن الشيطان يريد أن يصرفك عن أعظم مطلوب، وهو هداية الله لعبده.

2- هذه الفكرة مبنية على مغالطة كبيرة، وهي أن الهداية مساوية للمصائب، وهذا غير صحيح شرعا ولا عقلا، فالأنبياء ابتلوا نعم، لكن هل كانت حياتهم شقاء محضا، أم كانوا أكثر الناس طمأنينة بالله ورضا به؟ قال تعالى: {من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة}، فقد وعد الله المؤمن بالحياة الطيبة مع وجود البلاء.

3- لو كانت الهداية شرا لما أمر الله بها، ولما علمنا أن نقول في كل ركعة: {اهدنا الصراط المستقيم}، فالله سبحانه أرحم بعباده من أنفسهم، فكيف يأمرهم كل يوم بطلب شيء فيه هلاكهم أو شقاؤهم؟!!

4- أما قول الشيطان: "إذا اهتديت ستنزل عليك المصائب"، فالجواب أن المصائب تنزل على المهتدي وغير المهتدي: المؤمن يمرض، والكافر يمرض، والمؤمن يفقد أحبة، والكافر يفقد أحبة، والمؤمن يفتقر، والكافر يفتقر، لكن الفرق أن المؤمن معه من الإيمان واليقين والسكينة ما يعينه على البلاء، أما غيره فيجتمع عليه ألم المصيبة وألم البعد عن الله، وقد قال الله تعالى للجميع: {ونبلوكم بالشر والخير فتنة}.

5- ومن جهة العقل، لو خير إنسان بين: ابتلاء مع إيمان وطمأنينة ومعية من الله، أو ابتلاء مع ضياع ووحشة وفراغ، فأي الخيارين أهون وأعقل؟ ولهذا قال تعالى: {ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا}.

6- وأما قول الشيطان: "ستحرم نفسك من أمور كنت ستستمتع بها"، فهذه أيضا خدعة قديمة؛ لأن الشيطان لا يذكر إلا اللذة العاجلة وينسى العواقب، كالذي يدعو إنسانا إلى السم ويقول له: انظر إلى حلاوة طعمه، ولا يذكر له ما بعده من ألم وهلاك، والحقيقة أن كثيرا من المعاصي تعد الإنسان بالمتعة ثم تعطيه: الندم، والفراغ، والقلق، وقسوة القلب، ولهذا قال تعالى: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا}، ولم يقل: يجعل له ضيقا أو حرمانا.

7- عندما تقول في دعاء سيد الاستغفار: وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، فتذكر أن النبي ﷺ علمنا بعدها مباشرة كلمة عظيمة هي: ما استطعت، لأن الله يعلم ضعف العبد وعجزه، فلا يطلب منك الكمال، وإنما يطلب منك الصدق في السعي.

8- من أنفع ما يرد به على هذه الوساوس أن يقول لنفسه: هل ندمت يوما على طاعة فعلتها لله، أم أن الندم الحقيقي كان بعد الذنوب والتقصير؟ سيجد قطعا أن الطاعة وإن شقت في أولها فإن عاقبتها راحة، وأن المعصية وإن لذت في أولها فإن عاقبتها مرارة.

9- كلما وجدت هذه الفكرة فاعلم أنها ليست دعوة إلى الراحة، بل دعوة إلى الحرمان الحقيقي؛ لأن أعظم نعمة في الدنيا ليست المال ولا الصحة ولا المتعة، وإنما أن يهدي الله قلب العبد إليه، ولذلك كان أعظم دعاء يكرره المؤمن عشرات المرات كل يوم: {اهدنا الصراط المستقيم}.

نسأل الله أن يثبت قلوبنا على دينه، وأن يرزقنا الهدى والاستقامة، وأن يعيذنا من وساوس الشيطان وتلبيسه، وأن يجعلنا من عباده المهتدين، والله الموفق.

مواد ذات صلة

الاستشارات