السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كان معمولا لنا سحر تفريق، وفككنا السحر، ثم إن زوجي خانني في الفترة نفسها التي تلت فك السحر، وتزوج زواجا عرفيا، وباعترافه هو أن الأمر لم يكن إلا مجرد ورقة، وهو الآن نادم، ويقول إنه كان يشعر بأنه مغيب وغير متوازن تماما في تلك الفترة، ويبكي من شدة ندمه.
مع العلم أنني قبل فك السحر اكتشفت خيانات عابرة منه، فهل بعد فك السحر يظل الشخص متدمرا نفسيا وغير متوازن لفترة من الزمن، خاصة أن سحر التفريق استمر مدة ست سنوات؟
حقيقة أنا لا أعرف ماذا أفعل، ولا أستطيع مسامحته على خيانته، وليس لدي ثقة فيه، خصوصا أن طبيعة عمله فيها سفر كثير.
ولا أعرف هل ما حدث كان من تأثير السحر أم لا، مع أن تبريره لا يعتمد على السحر، لكنه يقول إنه ظل شهرين متدمرا نفسيا، حتى إنه كان يضيق بابنه، ومن أمه، ومني، ولم يكن يفهم ما الذي يحدث له، وكان يشعر بأنه مغيب، ولم يكن قادرا على التحكم في تصرفاته، كل هذا حدث بعد فك السحر بعشرين يوما، فهل يمكن أن يكون ذلك هو السبب؟
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أهلا بك، ونسأل الله أن يصلح حالك وحال زوجك، وأن يجبر كسرك، وأن يرزقك السكينة والطمأنينة، وأن يؤلف بين قلبيكما على طاعته، وأن يعيذكما من كيد الشياطين والإنس، ودعينا نجيبك من خلال ما يلي:
1- قبل الحديث عن السحر أو الخيانة أو استعادة الثقة؛ ينبغي أن نتذكر أن حياة المؤمن لا تخلو من الابتلاء، وأن الله تعالى قد يبتلي العبد في صحته، أو ماله، أو أهله، أو زواجه، أو نفسيته، قال تعالى: {ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين}، وقال النبي ﷺ: أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل.
وطبيعة نفس المبتلى أنه ينظر إلى بلائه وحده فيظنه أعظم البلاء، بينما لو رأى أحوال الناس لوجد من يعيش سنوات مع مرض مزمن، أو فقد أبناءه وأهله، أو يعيش في حرب فقد فيها بيته وأمنه، فيعلم أن النجاة ليست في خلو الحياة من الابتلاء، وإنما في حسن التعامل معه، واللجوء إلى الله فيه، والإيمان بأنه مأجور مع الصبر على ما ابتلاه الله به.
2- أما من جهة السحر، فالأصل أنه ثابت بالكتاب والسنة، كما قال تعالى: {فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه}؛ ولذلك لا يصح إنكار أثره مطلقا إذا قامت القرائن عليه، لكن في المقابل لا يصح أيضا أن نجعل السحر تفسيرا أوحد لكل ما وقع خلال ست سنوات؛ لأن الإنسان قد تتداخل في حياته أسباب كثيرة من اضطرابات نفسية، وضغوط متراكمة، وأخطاء شخصية، وضعف في مقاومة بعض الشهوات، فتجتمع الأسباب كلها في وقت واحد.
3- إذا كان السحر قد استمر سنوات طويلة بالفعل، ثم حصل العلاج منه أو زالت أسبابه؛ فليس من الضروري أن يعود الإنسان إلى حالته الطبيعية في اليوم التالي مباشرة؛ لأن السنوات الطويلة تترك آثارا نفسية، وسلوكية، وعاطفية قد تحتاج إلى وقت حتى تزول، فكما أن المريض الذي يشفى من مرض عضوي قد يبقى فترة يستعيد قوته، فكذلك من عاش سنوات في اضطراب شديد قد يحتاج زمنا ليستعيد توازنه النفسي والأسري.
4- ومع ذلك ينبغي التنبه إلى أمر مهم، وهو أن وجود السحر لا يجعل الإنسان فاقد الإرادة بالكلية، ولا يرفع عنه المسؤولية الشرعية؛ ولهذا لا نستطيع أن نقول إن الخيانة التي تحدثت عنها كانت بسبب السحر وحده، كما لا نستطيع أن نجزم باستبعاد السحر مطلقا.
والإنصاف أن يقال: ربما كان السحر أو الاضطراب الذي صاحبه عاملا من العوامل المؤثرة، لكن يبقى الإنسان مسؤولا عن أفعاله؛ ولهذا كان اعتراف الزوج بخطئه وندمه، وعدم تعليق كل شيء على السحر أقرب إلى الصدق من محاولة إلقاء المسؤولية كاملة على عامل خارجي.
والذي أراه أن القضية الأساسية عندك الآن ليست تفسير ما حدث بقدر ما هي التعامل مع آثاره، فأنت لا تتألمين لأنك لم تفهمي السبب فقط، بل لأن الثقة قد انكسرت، والمرأة إذا تعرضت للخيانة لا يكفيها أن تسمع تفسيرا لما حدث، بل تحتاج أن ترى تغييرا حقيقيا يعيد إليها الأمان الذي فقدته، ولهذا فإن الانشغال الدائم بسؤال: هل كان السبب السحر أم لا؟ لن يحل المشكلة الأساسية ما لم يصحبه بناء جديد للثقة.
5- نحن نريدك أن تنظري إلى حال الزوج اليوم لا إلى وصفه للماضي فقط، فإن كان قد قطع العلاقة المحرمة تماما، وظهر عليه الندم الصادق، وأصبح أكثر محافظة على دينه، وأكثر حرصا على بيته، وأكثر وضوحا معك، واستمر على ذلك زمنا معتبرا؛ فهذه علامات تبعث على الأمل، أما إذا بقيت الأسباب نفسها، أو بقي الغموض، أو التناقض في التصرفات؛ فهذا يحتاج إلى وقفة جماعية من أهلك، وبعض أهل الدين، وأنت؛ لتحديد مستقبل تلك العلاقة.
6- من الطبيعي جدا ألا تستطيعي المسامحة الكاملة الآن، ومن الطبيعي أيضا ألا تعود الثقة كما كانت بمجرد الاعتذار أو البكاء؛ فالنفوس لا تعمل بهذه الصورة، بل تحتاج إلى وقت، وإلى مواقف متكررة تثبت الصدق؛ ولذلك لا تلومي نفسك إذا وجدت في قلبك ألما، أو ترددا، أو صعوبة في تجاوز ما حدث؛ فهذه مشاعر طبيعية بعد جرح من هذا النوع.
7- لا أنصحك أن تعيشي في مراقبة دائمة لكل حركة، وسفر، واتصال؛ لأن هذا سيحول حياتك إلى سجن نفسي لك وله، وفي الوقت نفسه لا أنصحك بإلغاء ما حدث من ذاكرتك والتصرف وكأن شيئا لم يكن.
الطريق الوسط هو أن تمنحيه فرصة لإثبات صدقه عمليا، مع بقاء قدر معقول من الحذر حتى تستعيد الثقة نفسها بالتدريج.
8- إذا كان عمله يقتضي السفر الكثير، فالحل ليس في القلق المستمر، وإنما في بناء عوامل الحماية داخل البيت؛ من تقوية العلاقة بينكما، وكثرة الحوار الصادق، والمحافظة على الطاعة، ووضوح الحدود بينكما؛ فإن البيوت لا تحفظها الرقابة بقدر ما يحفظها خوف الله والصدق بين الزوجين.
وفي الختام: نوصيك بالرقية الشرعية، والمحافظة على أذكار الصباح والمساء، وقراءة سورة البقرة كل يوم أو الاستماع إليها، والإعانة على تقوية العلاقة بالله عز وجل مع الاجتهاد في إيقاظ الإيمان المخدر.
كما نوصيك باستبدال الصحبة الفاسدة متى ما وجدت، ومصاحبة أهل الدين والخير، كل هذا مع الإكثار من الدعاء بأن يشرح الله صدرك، ويهدي زوجك، ويصلح ما بينكما، وأن تحرصي على عدم فتح ملف الماضي كل يوم؛ لأن كثرة استحضار الجرح تمنع التئامه.
نسأل الله أن يصلح زوجك، وأن يرزقه توبة نصوحا لا يعود بعدها إلى خطأ، وأن يرزقك السكينة، والثقة، والطمأنينة، وأن يحفظ بيتكما من كل سوء، وأن يجعل ما مررتما به سببا في قوة العلاقة لا في هدمها، والله الموفق.