زوجي يقطع الصلاة ويبقى على جنابة، كيف أصلحه؟

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا شابة متزوجة منذ ثلاث سنوات، ولدي طفل عمره سنة، كنت قد تزوجت وأنا لا أطيق زوجي، وقد مرت هذه السنوات صعبة جدا، ولا أنكر أنه تخللها الكثير من اللحظات الهادئة، وما جعلني أقدم على خطوة الزواج أنه كان يبدو ملتزما دينيا وخلوقا، وأنا كنت أطمح أن أبني بيتا مسلما يكون الزوج فيه قائدا، وأن أربي أبنائي تربية إسلامية، إلا أنه بعد الزواج اتضح لي أنه لم يكن بذلك الالتزام الذي يظهر عليه؛ إذ إنه يقطع الصلاة لأيام عديدة، ويبقى على جنابة إذا أهمه أمر من أمور الدنيا، ولا يزال يفعل ذلك إلى الآن، ولا يلتفت إلى نصحي كثيرا، لكنه في نفس الوقت لا يترك الأذكار حتى وإن لم يكن يصلي، ويشهد له الجميع بأخلاقه وطيبته، إضافة إلى أنه يتهاون في بعض المسائل الشرعية.

أما الآن، وقد بدأ ابني يكبر، فقد بدأت أخشى عليه أن يتخذ أباه قدوة له، وأخشى ألا يكون القائد الذي كنت أتمناه لعائلتي، إذ إنني لاحظت أن التزامي أنا بدأ يتأثر، فقد صرت أؤخر صلاتي، وأتهاون أحيانا في وردي القرآني، وتركت الحفظ لمدة طويلة.

أنا الآن في حيرة من أمري، فأفتوني في أمري، وجزاكم الله خيرا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ سائلة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبا بك -أختي الفاضلة- في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله أن يوفقنا وإياك لصالح القول والعمل.

لقد قرأت رسالتك بعناية، وأحيي فيك هذا الحرص الكبير على دينك، ورغبتك الصادقة في بناء بيت مسلم مستقر، وخوفك المحمود على مستقبل طفلك الإيماني.

أختي الفاضلة، إن وضعك الحالي يجمع بين تحديات شرعية ونفسية وتربوية؛ لذلك ستكون الإجابة مقسمة إلى محاور واضحة تلامس جميع جوانب تساؤلاتك، وتضع بين يديك دليلا عمليا للتعامل مع هذا الواقع، ونسأل الله أن يوفقك للخير والسداد والرشد.

الجانب الأول: الجانب الشرعي والعقدي، والمتعلق بترك الصلاة أحيانا والاستمرار على الجنابة: أختي الفاضلة، لا شك أن هذه المخالفات مترابطة، ويجر بعضها بعضا، فمن تهاون في الصلاة لم يلتفت إلى مفتاحها، وهو الطهارة، ومن لم يعتن بطهارة ظاهره انعكس ذلك على باطنه، فضعف أمام الشهوات والمعاصي، فالظاهر مرآة الباطن، والله تعالى يقول: ﴿إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾، لذلك من المهم جدا أن تدركي الطريقة المناسبة التي تتعاملين بها مع هذه المواقف وما يشابهها:

أولا: البحث عن أي وسيلة لتذكيره بقيمة الصلاة وأهميتها، وثواب المحافظة عليها في وقتها، وخطر تأخيرها والتهاون فيها، وذلك مثلا من خلال سماع المحاضرات بصورة غير مباشرة في المنزل، أو حضور بعض الدروس والمحاضرات معه، أو الاستعانة بأحد الأقارب أو المحارم لزيارته وتذكيره بالله تعالى وخطورة هذه المخالفات.

ثانيا: أن يراك النموذج العملي للطهارة والمحافظة على الصلاة في وقتها، فأنت أكثر الناس مخالطة له، ومشاهدته لك وأنت تحرصين على الصلاة في وقتها دون فتور أو تأخير قد توقظ في نفسه الشعور بالتقصير والغيرة، فاحرصي على ذلك، وتعمدي أن يراك دائما محافظة على الصلاة.

ثالثا: الحوار الهادئ اللطيف المشفق الصريح؛ فمن أعظم وسائل التأثير في النفس أن تنتظري الأوقات المناسبة، ولحظات الهدوء والصفاء، ثم تدخلي معه في حوار تظهرين فيه خوفك عليه، وحرصك على دينه، وخوفك على ابنكما من الضياع، وبقدر ما يكون الحوار صادقا ومخلصا يكون تأثيره وإقناعه أبلغ في النفس.

رابعا: اجعلي وقت الصلاة وقتا مقدسا، من خلال التوقف التام عن أداء أي عمل مهما كان حتى أداء الصلاة، اغلقي الهاتف والتلفاز، وتوقفي عن أي عمل مهما كان؛ فهذه الممارسة تشعره بأهمية الوقت، ومع الأيام يتربى على أن هذا الوقت خصص للصلاة قبل كل شيء.

خامسا: الصحبة الصالحة، حاولي الاستعانة بأهل الخير والصلاح من الأقارب والمحارم وإمام المسجد القريب من المنزل للجلوس معه أو مرافقته مدة من الزمن؛ ليؤثروا فيه بالنصيحة والتوجيه؛ فإن ذلك من أكثر ما يعين على الثبات على الخير.

أختي الفاضلة، إن موضوع البقاء على جنابة مرتبط ارتباطا وثيقا بأداء الصلاة، فالصلاة لا تصح إلا بطهارة، وكلا الأمرين مرتبط بتعظيم حرمات الله وشعائره، قال تعالى: ﴿ذٰلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب﴾، وتأخير الغسل عمدا حتى يخرج وقت الصلاة لا شك أنه إثم عظيم، وضعف تعظيم حرمات الله وقلة الخوف منه أساسهما قسوة في القلب وغفلة في النفس، وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد، ألا وهي القلب).

وعلاج ذلك ممكن -بإذن الله-، لا سيما إذا كان الرجل صاحب خلق كريم وفيه بذرة خير -كما ذكرت-، فهذا يجعل العلاج أيسر -بإذن الله-، ومن أهم وسائل تقوية الإيمان وصلاح القلوب:

أولا: حضور المواعظ ومجالس التذكير بالله تعالى؛ فإن المواعظ من أعظم ما يزيل الران العالق بالقلوب بسبب الذنوب والمعاصي.

ثانيا: الإكثار من قراءة القرآن وذكر الله تعالى؛ فهذه الأعمال من أعظم ما يرقق القلب ويصلحه، وينعكس أثرها على الجوارح والسلوك.

ثالثا: الابتعاد عن أسباب المعاصي ووسائلها، كمواقع التواصل وما يعرض من مواد تثير الشهوات أو تضعف الإيمان؛ فإن كثرة التعرض لها تضعف مقاومة النفس للهوى، وتجرها إلى الذنوب والمعاصي.

رابعا: مصاحبة الأخيار والصالحين، ومجالستهم في حلق العلم، ومدارسة القرآن، والمشاركة في الأعمال الدعوية والخيرية؛ فكل ذلك يعين على الخير والاستقامة.

خامسا: الدعاء والتضرع إلى الله تعالى بأن يصلح القلب، ويعين النفس على مقاومة الشهوات والفتن، ما ظهر منها وما بطن.

أختي الفاضلة، إن ما يعيشه زوجك من تناقض بين المحافظة على الأذكار والتفريط في الصلاة هو من أبواب تلبيس الشيطان؛ فالصلاة هي الأساس، ولا يقبل من العبد نافلة ولا ذكر على الوجه الأكمل إذا كان مضيعا للفرائض؛ ومع ذلك فإن استمرار الأذكار في حياته، ومحبة الناس له بسبب أخلاقه وطيبته، يدل على أن جذوة الخير لا تزال حية في قلبه، وهذا هو المدخل المناسب للتأثير فيه، فاحرصي على استثمار هذا الجانب.

الجانب الثاني: علاقتك بزوجك: أختي الكريمة، ذكرت في مقدمة رسالتك أنك تزوجت وأنت لا تطيقين زوجك، إن المشاعر السلبية المسبقة قد تضخم عيوب الطرف الآخر، وتجعل رؤية محاسنه أمرا صعبا، لكن تأملي قول الله تعالى: ﴿وعسىٰ أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم﴾، وقوله سبحانه: ﴿فإن كرهتموهن فعسىٰ أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا﴾، فشهادة الناس له بحسن الخلق والطيبة، ووجود لحظات هادئة ومستقرة بينكما خلال السنوات الماضية؛ كلها إيجابيات تستحق الالتفات إليها والبناء عليها، فزوجك ليس سيئ المعشر ولا خبيث الطبع، وإنما هو مبتلى بالغفلة والتهاون، والتعامل مع الزوج المقصر الذي يعترف بتقصيره ويتمتع بأخلاق حسنة أسهل بكثير من التعامل مع الزوج القاسي أو سيئ الخلق أو المجاهر بالمعاصي.

الجانب الثالث: علاج العدوى السلبية: إن أخطر ما ورد في رسالتك قولك: "بدأ التزامي أنا يتأثر"، لقد تراجع مستواك الإيماني بسبب ما تشعرين به من إحباط تجاه حالك وحال زوجك، وهذا منزلق خطير قد يقود إلى مزيد من التراجع، وربما الانتكاسة -والعياذ بالله-.

ومن المهم جدا أن تكون حياتك الإيمانية مستقلة، وأن تكوني قادرة على الفصل بين علاقتك بزوجك وعلاقتك بربك، وتذكري دائما آسية بنت مزاحم، امرأة فرعون، التي كانت تحت أعتى طاغية على وجه الأرض، ومع ذلك لم يضرها كفره شيئا؛ لأن قلبها كان معلقا بالله، فخلد الله ذكرها في القرآن بقوله: ﴿إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة﴾، فصلاح زوجك ليس شرطا لصلاحك، وتقصيره ليس عذرا لتقصيرك.

وحتى تتمكني من إصلاح زوجك وتكوني داعية موفقة في هذه المهمة، فلا بد أن تبدئي بإصلاح نفسك أولا؛ ففاقد الشيء لا يعطيه؛ لذلك عليك العودة إلى وردك من القرآن، والمحافظة على عباداتك، والالتزام الصارم بمواقيت الصلاة؛ فإن ثباتك هو طوق النجاة لهذا البيت -بإذن الله-.

الجانب الرابع: الخوف على الطفل والقدوة: طفلك الآن في عامه الأول، وهو في مرحلة التعلق العاطفي، وسيبدأ قريبا مرحلة التقليد والمحاكاة، وخوفك عليه في محله، لكن الإصلاح لا يكون بالهدم، فلا تشوهي صورة الأب أمام ابنه أبدا؛ لأن اهتزاز مكانة الأب في عين الطفل يضر بتوازنه النفسي ويضعف شعوره بالأمان، كوني أنت القدوة العملية في هذه المرحلة، ودعي طفلك يراك تصلين الصلوات في وقتها، واجعليه يجلس إلى جوارك وأنت تقرئين القرآن، واغرسي فيه منذ الصغر معاني الإيمان والعبادة، فأنت أكثر الناس قربا منه وتأثيرا فيه في هذه المرحلة.

أختي الفاضلة، توقفي عن أسلوب الوعظ المباشر أو التوبيخ من قبيل: "صل وإلا دخلت النار"؛ لأن هذا الأسلوب قد يولد العناد والنفور، واستبدليه بأسلوب التشجيع والإشادة، فامدحي أخلاقه وطيبته أولا، ثم قولي له مثلا: "أنت إنسان طيب ومحبوب وكريم الأخلاق، ولا ينقص هذه الصفات الجميلة إلا أن تكتمل بالمحافظة على الصلاة والالتزام بطاعة الله".

شغلي في البيت -عبر الهاتف أو التلفاز- مقاطع مؤثرة عن فضل الصلاة وعقوبة التهاون بها، دون توجيه مباشر إليه، ودعي الكلمات تصل إلى قلبه بصورة غير مباشرة.

وإذا رأيته مهموما من أعمال الدنيا وهو على جنابة، فوفري له أسباب الراحة، وهيئي له ما يحتاج إليه للاغتسال، وقولي له بلطف: "الاغتسال والصلاة من أعظم أسباب انشراح الصدر وتفريج الهم"، فقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا حزبه أمر صلى.

أختي الفاضلة، أكثري من الدعاء له بظهر الغيب، ولا سيما في أوقات السحر؛ فالقلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، ادعي له في سجودك بالهداية وصلاح الحال، وتحري أوقات الإجابة، فكم من زوج هداه الله بدعاء زوجته الصالحة.

وأخيرا -أختي الكريمة-: اصبري وجاهدي في سبيل إصلاح زوجك وحماية بيتك، واحتسبي الأجر عند الله، وتذكري قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم).

اعطي نفسك وزوجك فرصة حقيقية، مستعينة بالله تعالى، ثم بالخطوات السابقة، مع المحافظة الكاملة على عباداتك الشخصية، فإن رأيت بعد مدة كافية إصرارا تاما على ترك الصلاة بالكلية، وإعراضا كاملا عن كل وسائل الإصلاح، دون أي استجابة، فحينئذ يمكنك استشارة أهل العلم الثقات للنظر في حكم الاستمرار معه من عدمه.

نسأل الله تعالى أن يشرح صدر زوجك، وأن يهديه صراطه المستقيم، وأن يقر عينك بصلاحه وصلاح ابنك، وأن يربط على قلبك، ويثبتك على طاعته.

مواد ذات صلة

الاستشارات