صرت مكتئبًا حزينًا بسبب فتاة خطبتها وأحببتها ثم تركتني بلا سبب!

0 1

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا شاب عمري 30 عاما، ملتزم جدا، ولم أدخل في علاقة مع فتاة قط، ولا أفعل حراما.

في عيد الفطر شاء الله أن يجمعني بفتاة قالت إنها ليست متزوجة، وأنها ستقبل بأي رجل يتزوجها، وقالت ذلك أمام الناس، فعرضت عليها الزواج فوافقت، وهي أول فتاة أرتبط بها.

خطبتها مدة شهر، وحدث منها بعض التجاوز في الكلام المعسول، فقلت لها: لا يجوز هذا الكلام الآن، ووقته بعد الزواج، وفي مرة اختلينا ببعضنا، ولم أفعل لها شيئا مرضاة لله.

وبدأت أجمع المهر وأجهز كل شيء، لكنها ألغت الزواج في الأيام الأخيرة، وأنا أحببتها حقا؛ لأنها أول فتاة في حياتي.

والآن لست في حالة جيدة، فقد أصبحت أبكي طوال اليوم، في الطريق، وأمام الناس، وفي البيت، وفي العمل، وحتى وأنا أكتب لكم هذه الرسالة أبكي.

حاولت مع أمها وأبيها وأهلها، وهم موافقون على هذا الزواج، بل ويريدونني بشدة، لكن المشكلة في الفتاة نفسها، وقد حاولوا معرفة السبب، أو إن كان هناك سوء فهم، لكن تم الرفض للمرة الثانية من الفتاة.

كان الرفض قبل أربعة أيام، وأنا فعلا لست بخير، وأخاف على نفسي الآن، فهل أدعو الله أن يجمعنا مرة ثانية؟

مع العلم أنها كانت تريدني أيضا، لكن لديها سبب لم توضحه، والمشكلة أنها هي نفسها من قالت: أي رجل يتزوجني فسأقبله.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يجبر كسرك، ويشرح صدرك، ويعوضك خيرا مما فقدت، وأن يرزقك الرضا بقضائه وحسن الظن به، ونحن نتفهم تماما حديثك؛ لذا دعنا نجيبك من خلال ما يلي:

1- من سنن الله في هذه الحياة أن القلوب تتعلق ثم تبتلى، وأن الإنسان قد يفتح له بابا يرجو أن يكون فيه سعادته، ثم يغلقه الله عنه لحكمة يعلمها سبحانه، وهو الخير ولا يدري، كما قال تعالى: {وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون}.

ومن أكثر الناس ألما في مثل هذه المواقف من دخل تجربة التعلق لأول مرة؛ لأن قلبه لم يعتد هذا النوع من المشاعر، فيشعر أن جزءا من حياته قد انتزع منه؛ ولذلك فالبكاء، والحزن، والاضطراب الذي تشعر به الآن مفهوم من جهة الطبيعة البشرية، ولا يعني ضعف إيمانك ولا سوء دينك.

2- مما لفت انتباهي في رسالتك أنك لم تكن تدخل في علاقات محرمة، وأن هذه أول فتاة يتعلق بها قلبك، وأنك دخلت من الباب الذي يرضي الله، فتقدمت للزواج، وجمعت المهر، وحاولت إتمام الأمر بالحلال، بل حتى عندما حصلت خلوة لم تتجاوز حدود الله.

وهذه أمور ينبغي ألا تنساها وأنت تنظر إلى نفسك اليوم؛ لأن الشيطان يحاول أحيانا أن يحول المصيبة إلى باب يأس وقنوط، بينما الحقيقة أن في قصتك جوانب كثيرة تدل على خوفك من الله وحرصك على الحلال، نسأل الله أن يثبتك على ذلك.

3- ينبغي كذلك أن تنتبه إلى أمر مهم، وهو أن موافقة الفتاة في البداية لا تعني أنها ملزمة بالاستمرار إذا تغيرت قناعتها بعد ذلك، سواء اتفقنا مع سببها أو لم نتفق، فالزواج لا يقوم على رضا الأهل وحدهم، ولا على رغبة الرجل وحده، بل لا بد من رضا المرأة نفسها؛ ولهذا فإن رفضها الأخير لا يجعلها آثمة بمجرد أنها كانت موافقة في البداية، ما دامت ترى أنها لا تريد إكمال الطريق.

4- قولها سابقا: "إن أي رجل سيتقدم لطلب الزواج منها ستوافق عليه" هذا لا يعني أنها ستوافق على كل من يتقدم إليها بعد ذلك دون تفكير أو مراجعة، فكثير من الناس يقولون عبارات تحت تأثير ظرف معين، أو ضيق معين، أو رغبة معينة، ثم عندما يدخلون في الواقع العملي للزواج تتغير حساباتهم ومشاعرهم.

5- الذي أراه من رسالتك أن المشكلة الحقيقية الآن ليست الفتاة نفسها فقط، بل الصدمة الناتجة عن انهيار مشروع حياة كنت قد بدأت تبنيه في ذهنك، فقد بدأت تجمع المهر، وترسم صورة المستقبل، وتعيش مشاعر الخاطب المقبل على الزواج، ثم سقط كل ذلك فجأة؛ ولذلك فأنت لا تبكي أربعة أيام فقط، بل تبكي أحلاما، وتصورات، وآمالا كنت قد علقتها بهذا الزواج.

6- أما سؤالك: هل أدعو الله أن يجمعنا مرة أخرى؟ فالجواب نعم، لكن بصيغة المؤمن المستسلم لحكمة الله، فتقول: "اللهم إن كانت خيرا لي في ديني ودنياي وآخرتي فاكتبها لي ويسرها، وإن كانت شرا لي فاصرفها عني واصرفني عنها واقدر لي الخير حيث كان"، ولا تجعل دعاءك مقصورا على شخص بعينه حتى يصبح قلبك معلقا بمخلوق أكثر من تعلقه بربه.

7- أحب أن أنبهك إلى أمر قد يغفل عنه كثير من الناس، وهو أن الفتاة التي ترفض مرتين بعد محاولات الأهل وإقناعهم تكون قد أوصلت رسالة واضحة بأنها لا تريد إتمام الزواج؛ ولذلك لا أنصحك بمزيد من المحاولات المباشرة، أو الضغط، أو إرسال الوسطاء مرة بعد مرة؛ لأن ذلك غالبا يزيد الألم ولا يغير النتيجة، وقد بذلت السبب الظاهر، ووصل الأمر إلى أهلها، وأعادوا المحاولة، ثم جاء الرفض مرة أخرى.

8- من الناحية التربوية، لا تبن مستقبلك كله على هذا الحدث، أنت في الثلاثين من عمرك، وكنت قبل شهرين أو ثلاثة لا تعرف هذه الفتاة أصلا، ثم دخلت حياتك وخرجت منها خلال فترة قصيرة.

نعم، تركت أثرا عميقا لأن التجربة كانت الأولى، لكن لا تجعل عقلك يقنعك أنك فقدت الفرصة الوحيدة في الحياة، فكم من رجل ظن أن سعادته كلها في امرأة بعينها، ثم رزقه الله بعد سنوات زوجة أصلح له وأقرب إلى قلبه منها.

9- أكثر ما أقلقني في كلامك قولك: "أخاف على نفسي"؛ فإن كنت تقصد أنك تخشى على نفسك من الانهيار النفسي، أو من إيذاء نفسك، أو من الدخول في حالة اكتئاب شديد؛ فهنا يجب أن تبادر إلى إشغال نفسك وعدم الاستسلام للعزلة الطويلة.

حافظ على الصلاة، وأكثر من الصيام، واخرج إلى عملك، واجلس مع الصالحين، ومارس الرياضة أو المشي، وابحث عن زوجة صالحة، ولا تجعل يومك كله يدور حول التفكير في هذه الفتاة؛ لأن الحزن إذا وجد فراغا تضخم حتى يملأ القلب كله.

10- اعلم أن من أعظم ما يعينك الآن أن تنظر إلى ما وفقك الله إليه لا إلى ما منعك منه، فقد حفظك الله من الحرام سنوات طويلة، وأعانك على العفة، ووفقك لأن تطلب الزواج من بابه الشرعي، وهذه نعم عظيمة، وربما كان من رحمة الله بك أن صرف عنك أمرا تعلم أنت بعضه ويعلم سبحانه كله، فإن الله لا يمنع عبده المؤمن شيئا إلا لحكمة، بل قد يكون رحمة به.

نسأل الله أن يجبر قلبك جبرا يليق بكرمه، وأن يبدل حزنك سكينة، ودمعتك فرحة، وأن يرزقك زوجة صالحة تقر بها عينك، وأن يختار لك ما فيه الخير ولو خالف ما تتمناه اليوم، فإن اختيار الله لعبده خير من اختيار العبد لنفسه، والله الموفق.

مواد ذات صلة

الاستشارات