صديقاتي تزوجن وأصبحن أمهات وأنا ما زلت في مرحلة الإعجاب فقط!

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

سؤالي عن الأسباب الممكنة لتأخر الزواج، فأنا فتاة لا يوجد عندي شيء ينقصني، وللأمانة، منذ الجامعة وما بعدها، كان شباب من حولي يصرحون لي بإعجابهم بي، وأنا أعلم أنني جميلة -ولله الحمد-، ومن عائلة محترمة، ووضعنا المادي ميسور -ولله الحمد-، إلا أن موضوع زواجي متعسر، وإلى الآن لم يتقدم لخطبتي رجل، رغم كثرة من أبدوا رغبتهم.

ودائما يحدث نفور بيننا، وقد تقدم لخطبتي رجل، وكانت والدته امرأة متدينة، وبمجرد دخولها إلى البيت قالت لي: عندكم شيء في البيت، هناك شيء يكتم، اقرؤوا الرقية.

مع أن بيتنا دائما فيه قرآن، ووالداي صالحان، ومن أكثر الناس فعلا للخير، لكنني -وللأمانة- أدعو الله كثيرا، غير أنني -أستغفر الله- أشعر أن دعائي غير مستجاب، وأصابني فتور في الدين، فبعد أن كنت أصلي بخشوع، وأحافظ على الدعاء والأذكار، أصبحت الآن أتكاسل حتى عن الصلاة.

أشعر بيأس وإحباط وحزن؛ لأن الأمر طال، وكل صديقاتي اللاتي كن معي تزوجن، وأصبحن أمهات، ويعشن حياة مستقرة، أما أنا فما زلت في مرحلة الإعجاب فقط، فهذا يقول لي: أنا معجب بك، وذاك يقول: أحبك، لكن لا توجد أي خطوة واقعية في حياتي.

أنا أهتم بنفسي كثيرا، وبجمالي، وأناقتي، وحشمتي، والله إن الناس من حولي لا يصدقون أن نصيبي لم يأت إلى الآن، ويظنون أنني أرفض الخطاب بلا سبب، أو أنني أبحث عن رجل بمواصفات خارقة، كل ما أريده أن أرتاح للشخص، ومع ذلك أشعر أن قلبي دائما غير مرتاح.

أنا فقط أريد أن أشعر بالاستقرار النفسي، وأحيانا أستيقظ ليلا وقلبي يخفق بشدة، وأشعر بضيق غير طبيعي.

فما السبب؟ وما الحل؟ وهل يوجد في الدين شيء اسمه "بنت منفوسة"، أحبها شخص ولم تكن من نصيبه، فبقيت معلقة ومتوقفة عن الزواج؟ هل هذا الكلام واقعي؟ لأنني سمعت من بعض الناس أن هناك من أحب فتاة، وكان يتمنى الزواج منها، ولم يتم النصيب، فتبقى الفتاة بعد ذلك معلقة بسببه.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ Sara .. حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يشرح صدرك، وأن يرزقك الزوج الصالح الذي تقر به عينك، وأن يبدل همك طمأنينة، وحيرتك يقينا، وتأخر أمنيتك خيرا كثيرا في الوقت الذي يختاره لك سبحانه.

ونحن نتفهم حديثك ونتفهم حال آلاف الأخوات اللاتي لا ينقصهن دين ولا جمال ولا مال ولا حسب، ولكن ابتلاهم الله بذلك، لكن المفارقة أنك لا زلت في مرحلة طبيعية، أما أكثر الأخوات فهن في الأربعين وبعضهن في منتصف الثلاثين، وسؤالك هو سؤالهم؛ لذا دعينا نجيبك من خلال ما يلي:

أولا: من سنن الله في هذه الدنيا أن يبتلي عباده بما يحبون كما يبتليهم بما يكرهون، والبلاء قد يكون في تأخر مطلوب عزيز على النفس، كالزواج، أو الذرية، أو العمل، أو الشفاء، أو غير ذلك، قال تعالى: {ونبلوكم بالشر والخير فتنة}، والعبد لا يدري الخير والشر، وقد يرى الخير شرا والعكس، والله قال: {وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم}.

وإن من أكثر ما يرهق المبتلى أن يرى غيره قد نال ما يتمناه هو، فيظن أنه قد حرم الخير، بينما الحقيقة أن الأقدار لا تقاس بما نراه في لحظة معينة، فكم من امرأة تأخر زواجها ثم رزقها الله زوجا صالحا كانت تحمد الله بعده على كل سنوات الانتظار، وكم من امرأة استعجلت الزواج هربا من التأخر فعاشت سنوات من الندم والمشكلات، وليس معنى هذا أن نتمنى التأخر، وإنما أن نفهم أن تأخر الرزق لا يعني منعه.

ثانيا: مما يظهر من رسالتك أن المشكلة الكبرى لم تعد تأخر الزواج نفسه، بل ما تولد عنه من إحباط، ويأس، وفتور في العبادة، وشعور بأن الدعاء غير مستجاب؛ وهنا ينبغي أن تتنبهي إلى أمر مهم، وهو أن الشيطان إذا لم يستطع أن يمنع المؤمن من الدعاء، حاول أن يفسد عليه الثقة بربه، وقد قال النبي ﷺ: يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي، فعدم رؤية النتيجة التي نريدها لا يعني أن الدعاء ضاع، فقد يكون الله يدخره، أو يدفع به شرا، أو يؤخر الإجابة إلى الوقت الأصلح.

ثالثا: لا نرى في رسالتك ما يدل دلالة واضحة يقينية على سحر، أو مس، أو عين، وإن كان لا يمكن الجزم بالنفي أو الإثبات من خلال كلمات مكتوبة، وما قالته تلك المرأة عند دخولها البيت، ليس دليلا شرعيا على وجود شيء؛ لأن تشخيص مثل هذه الأمور لا يبنى على الانطباعات والظنون، ووجود القرآن في البيت، وصلاح الوالدين، وكثرة الخير، لا يمنع وقوع العين أو الابتلاء أحيانا، كما أنه لا يثبت وقوعه بمجرد تعثر الزواج.

رابعا: ما يسمى عند بعض الناس "البنت المنفوسة" أو "المعلقة بسبب شخص أحبها ولم يتزوجها"، فهذه عبارات شعبية لا نعلم عليها دليلا شرعيا؛ نعم العين حق، والحسد حق، لكن ربط كل تأخر زواج أو تعثر في الحياة بقصة شخص أحبك ولم يتزوجك، هو من الكلام الذي يتناقله الناس أكثر مما يقوم على علم أو دليل، والمؤمن يبني أحكامه على ما ثبت من الشرع، لا على التفسيرات المتوارثة.

خامسا: أحب أن ألفت انتباهك إلى أمر قد يكون له أثر كبير في حالتك النفسية، وهو أنك تقارنين نفسك بصديقاتك باستمرار، فكلما تزوجت واحدة، أو أنجبت أخرى، أو استقرت ثالثة، عاد قلبك إلى المقارنة، والمقارنة من أكثر الأشياء التي تستنزف الطمأنينة، وقد قال تعالى: {ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض}، وليس المقصود ألا تتمني الزواج، بل ألا تجعلي حياتك كلها تقاس بما عند الآخرين.

سادسا: من اللافت أيضا أنك ذكرت أن كثيرا من الشباب أبدوا إعجابهم بك، وأنه لم يكن هناك انتقال إلى خطوة جادة مستقرة؛ وهذا يدل غالبا على أن المشكلة ليست في الشكل، أو المكانة الاجتماعية، أو السمعة كما تتصورين، وإنما في أن الزواج رزق مركب من عوامل كثيرة لا يملكها الإنسان كلها، فكثير من الناس يجد الإعجاب، لكن لا يكتمل النصيب، وكثير من الناس لا يلفت الأنظار أصلا، ثم يأتيه رزقه من حيث لا يحتسب.

سابعا: أما الضيق الذي يوقظك ليلا، وخفقان القلب، والحزن المستمر، والفتور الذي أصابك؛ فهذه أمور تحتاج إلى عناية خاصة؛ لأن الإنسان إذا طال عليه الانتظار في أمر يحبه، قد يدخل في دائرة من القلق والاكتئاب الخفيف دون أن يشعر، ولذلك لا تجعلي كل اهتمامك منصبا على البحث عن سبب خارجي، بل اسألي نفسك أيضا: هل أصبحت حياتي كلها معلقة على الزواج حتى فقدت الاستمتاع ببقية نعم الله؟ فإن كان الجواب نعم، فهنا يحتاج القلب إلى إعادة توازن.

ثامنا: العلاج الذي أنصحك به، ليس البحث اليومي عن أسباب خفية، وإنما الجمع بين أمرين: استمرار الأخذ بالأسباب المشروعة للزواج، مع بناء حياة مستقرة نفسيا وإيمانيا حتى قبل حصول الزواج، فالسعادة لا تؤجل كلها إلى يوم يأتي فيه الزوج، بل المؤمن يعيش مع الله في كل أحواله، متزوجا كان أو غير متزوج.

تاسعا: اجعلي لنفسك وردا ثابتا من القرآن ولو كان قليلا، وحافظي على الأذكار ولو شعرت بثقلها، وأكثري من الدعاء في أوقات الإجابة، لكن لا تدعي الدعاء يتحول إلى اختبار يومي لله تعالى: دعوت اليوم فلماذا لم يحدث شيء؟ بل ادعي وأنت موقنة أن الله يسمعك، ويعلم حالك، ويختار لك ما هو أصلح.

عاشرا وأخيرا: لا أنصحك بأن تسألي كل فترة: هل أنا محسودة؟ هل أنا منفوسة؟ هل أنا معلقة؟ لأن هذه الأسئلة إذا استقرت في النفس قد تفسر بها كل حدث، فيزداد القلق ويضعف العمل، والأقرب إلى السلامة أن تقولي: "أنا أمة من عباد الله، رزقي مكتوب، وما كتبه الله لي لن يناله غيري"، ثم الأخذ بالأسباب، والاستعانة به مع حسن الظن، والإيمان التام بأن ما كتبه الله لك سيأتيك في وقته الذي اختاره بحكمته.

وفي الختام: نسأل الله أن يشرح صدرك، وأن يرزقك الرضا واليقين، وأن يبدلك بعد هذا الانتظار فرجا جميلا، وأن يرزقك زوجا صالحا يكون قرة عين لك، وأن يحفظ عليك دينك وقلبك، وأن يجعل القادم من عمرك خيرا مما مضى، والله الموفق.

مواد ذات صلة

الاستشارات