السؤال
السلام عليكم.
أكتب رسالتي وأنا في قمة العجز؛ أنا فتاة تبتغي وجه الله وتخافه، لكنني ابتليت بمستنقع الإباحية منذ زمن بعيد، والله ليس استخفافا -حاشا لربي أن يستخف به- ولكن سولت لي نفسي، فوقعت في معركة بيني وبين نفسي.
جربت جميع الطرق (برامج الحجب، وتطبيق واعي، والتعرف على الأعراض الانسحابية لعدم الوقوع في شراكها...)، ولكنني أجد أن ذاك المستنقع يسحبني مرة أخرى إلى قاعه في نهاية المطاف؛ ففي كل مرة أتوب وأعود.
جربت الطرق العلمية لمحاربة هذا الإدمان، فأضبط نفسي لفترة؛ مرات تكون طويلة كسنة كاملة، ومرات كثيرة تكون قصيرة.
تحطمت نفسيتي، وأبحث عن نفسي الطيبة لكنني لا أجدها، أرى آثار الذنب في حياتي ومع ذلك أعود، أحس بنار تحرق قلبي بعد الذنب، وقد سلبت التوفيق في دراستي، ويظل شبح الذنب يلاحقني لأيام.
أتوب ولم أقنط يوما من رحمة الله ولكنني أعود، تعبت ولم أعد أقدر، وخنقني هذا الذنب، أريد التخلص منه للأبد ولم أجد الطريقة، فأرجو أن تدلوني على الطريق فقد ضللت، أريد توبة لا رجعة بعدها، فما هو المفتاح؟
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ توبة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
إن أكثر ما بعث في نفسي الأمل وأنا أقرأ رسالتك ليس حديثك عن الذنب، بل حديثك عن الألم منه؛ فالقلب الذي يحترق بعد المعصية، ويبحث عن التوبة، ويبكي على حاله، ويخاف أن يكون الذنب سببا في حرمان التوفيق؛ قلب لم يمت، بل فيه حياة عظيمة، وإن أتعبته المعصية وأثقلته.
أختي الكريمة، لا أراك فتاة مستخفة بالذنب، ولا مستسلمة له، بل أراك مجاهدة في معركة طويلة، سقطت فيها مرارا، لكنك لم ترفعي راية الاستسلام، وهذه نقطة مهمة جدا؛ لأن الشيطان يحاول أن يقنع العبد بعد تكرار الذنب بأنه منافق، أو فاسد، أو لا أمل فيه، بينما الله تعالى يقول: ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله﴾ [الزمر:53].
بل تأملي في الحديث العظيم الذي يبعث الأمل في قلب كل مبتلى، حين قال النبي ﷺ: "أذنب عبد ذنبا فقال: رب أذنبت ذنبا فاغفر لي، فقال الله: علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به، قد غفرت لعبدي... ثم عاد فأذنب... ثم تاب... فقال الله: قد غفرت لعبدي، فليفعل ما شاء متفق عليه. ومعنى الحديث: ما دام كلما وقع عاد إلى التوبة الصادقة ولم يرض بالمعصية ولم يصر عليها.
واسمحي لي أن أصحح فكرة مهمة في رسالتك: أنت تبحثين عن "توبة لا رجعة بعدها" وكأن هناك مفتاحا سحريا يجعل الإنسان لا يذنب أبدا، والحقيقة أن طبيعة الإنسان أنه يضعف ويقوى، ويجاهد ويغلب ويغلب، قال ﷺ: "كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون" رواه الترمذي. فليس المطلوب أن تضمني عدم العودة أبدا، وإنما المطلوب أن تبقي تائبة مجاهدة، فإذا زلت القدم قمت من جديد.
وأرى أن من أكبر أسباب تعبك النفسي أنك جعلت المعركة كلها تدور حول "كيف لا أقع؟" أكثر من "كيف أزداد قربا من الله تعالى؟"، فالفراغ الذي تتركه المعصية لا يكفي أن يسد بالحجب والمنع فقط، بل يحتاج إلى امتلاء القلب بشيء أعظم.
ولهذا أنصحك أن يكون أول مشروعك في المرحلة القادمة تعظيم الله تعالى في قلبك، أكثري من قراءة القرآن لا باعتباره وردا فقط، بل باعتباره خطابا من الله تعالى إليك، توقفي عند آيات الجنة والنار، وآيات أسماء الله تعالى وصفاته، وآيات التوبة والرحمة؛ فالقرآن ليس مجرد علاج للسلوك، بل علاج للقلب الذي يقود السلوك.
ثم احرصي على ملازمة القرآن يوميا ولو بالقليل الثابت، فالله تعالى يقول: ﴿إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم﴾ [الإسراء:9]، وكثير من الناس يركزون على مقاومة الذنب وينسون تقوية الإيمان الذي يقاوم الذنب.
ومن أعظم ما أوصيك به أيضا: ألا تنفردي كثيرا بنفسك، كثير من أبواب المعصية إنما تفتح في الخلوة الطويلة والفراغ الممتد، ابحثي عن صحبة صالحة، حلقة قرآن، برنامج علمي، أعمال تطوعية، رفقة تذكرك بالله تعالى. قال سبحانه: ﴿واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم﴾ [الكهف:28]، فالمعركة لا تخاض غالبا منفردة.
وأوصيك كذلك أن تراقبي جيدا "لحظة السقوط" لا "لحظة الذنب"، اسألي نفسك: ما الذي يسبق الانتكاسة عادة؟ هل هو الوحدة؟ التعب؟ السهر؟ الضغط النفسي؟ استخدام الهاتف في وقت معين؟ لأن علاج السبب أيسر من علاج النتيجة.
ومن الحلول العملية النافعة:
• اجعلي الهاتف خارج غرفتك قبل النوم.
• لا تستخدمي الإنترنت وأنت وحدك في أوقات الضعف المعتادة.
• املئي أوقات الفراغ ببرنامج واضح ومكتوب.
• إذا جاءك الدافع للمعصية، فقومي فورا من مكانك، وتوضئي، واخرجي للمشي أو اجلسي مع أهلك.
• حافظي على أذكار الصباح والمساء والنوم، فهي حصون عظيمة، وأكثري من الدعاء في السجود وآخر الليل.
أختي الكريمة: لا تجعلي الذنب يسرق منك بقية الطاعات، بعض الناس إذا وقع في معصية ترك القرآن والدعاء وقيام الليل حياء من الله تعالى؛ وهذا من مكر الشيطان، إذا وقعت فعودي مباشرة إلى الصلاة والقرآن والاستغفار، ولا تنتظري حتى "تشعري أنك صرت صالحة من جديد".
أختي الكريمة، الذي جعلك تصمدين سنة كاملة أحيانا، والذي أبقى في قلبك هذه الحسرة وهذا الندم، قادر بإذن الله تعالى أن يوصلك إلى بر الأمان، فلا تنظري إلى عدد مرات السقوط، بل انظري إلى أن الله تعالى ما زال يوقظ قلبك بعد كل سقطة، وما زلت تبكين وتبحثين عن الطريق.
أسأل الله سبحانه أن يطهر قلبك، ويشرح صدرك، ويصرف عنك الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يجعل هذه المعركة سببا لرفعة درجتك، وقربك منه، وأن يبدلك بعد هذا الجهاد طمأنينة وسكينة وعفافا وثباتا حتى تلقينه وهو راض عنك.