السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا متزوجة منذ 11 سنة، وعندي ثلاثة أطفال، وهناك مشاكل كثيرة جدا بيني وبين زوجي بسبب اختلاف الطباع، وكانت بعض هذه الأمور واضحة في فترة الخطوبة، لكني كنت أظن أنها ستتغير، لكن للأسف لم تتغير.
زوجي شكاك إلى درجة تأليف قصص كثيرة، فيها طعن في الشرف، رغم أن كثيرا من الناس يشهدون لي، وحتى أهله يشهدون لي بحسن الأخلاق، لكن مع تكرار كلامه أصبحوا ينظرون لي نظرة غير جيدة، وهو يقول إنني أتعبه، رغم أن الحقيقة غير ذلك.
منذ حوالي سنة طلقني، وحاولت بكل الطرق أن أصلح الوضع، وأدخلت أناسا كثيرين للإصلاح، منهم أهله، لكن للأسف لم تنجح المحاولات، وأهلي رغم أن عندهم بعض عدم الخبرة في التعامل معه، حاولوا المساعدة أيضا.
زوجي لا يوجد له كبير، ولا يحترم أحدا، ولسانه سليط، يشتم ويغلط، وقد يهين أي شخص، وهذا طبعه.
حاولت بكل الطرق أن أرجع له وأصلح حياتي خلال فترة التسعة أشهر التي كنت مطلقة فيها، لكنه كان يتأثر بكلام أهله وكلام الناس عني، رغم أن أهلي وقفوا معه كثيرا ماديا في أمور لا يعرفها كثيرون.
في النهاية رجع لي بصعوبة، لكن قبل الرجوع اشترط أن يتم تغيير القائمة، وأن يحذف الذهب بالكامل، وقال إنه لا يريد ذهبا نهائيا، وتكلم عني بكلام جارح جدا، واتهمني أني أثير المشاكل في البيت، وكان دائما كلامه تقليلا مني وإهانة لي، وهذه ليست المرة الأولى، بل كل مرة نختلف فيها يحدث نفس الشيء، ثم يعود، ثم يتكرر نفس الأسلوب.
كنت أقول لنفسي: ربما الأيام ستغيره، ووافقت على شرطه، وتم حذف الذهب من القائمة، وعدت إلى البيت، لكن بعد شهر واحد فقط بدأ يقلل مني ويهينني، ويذكر أهلي بكلام سيئ أمام أطفالي.
ومع كثرة الضغط، حصل لي قطع في الشبكية ونزيف، وقال لي الطبيب إنني بحاجة إلى عملية، واتفقنا على التكاليف، لكن عندما ذهبت وتكلمت مع أهله، قالوا له: لماذا تدفع هذا المبلغ كله؟ ولماذا لا تعالج على نفقة الدولة؟ مع أن ذلك سيأخذ وقتا طويلا، وأنا لم أرفض العلاج الحكومي، لكن المشكلة في طول المدة، ولم أطلب منه أن يدفع شيئا.
أنا كنت مستعدة أن أبيع ذهبي وأتكفل بالعملية، لكن ردهم كان أن أبقى عند أهلي ولا أرجع مرة أخرى.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ منى .. حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أهلا بك في إسلام ويب، ونسأل الله العلي العظيم أن يفرج همك، وأن يجبر كسرك، وأن يصلح حالك وحال أولادك، وأن يريك الحق حقا ويرزقك اتباعه، وأن يعوضك عن كل صبر خيرا، وقد تفهمنا حديثك؛ ولذا دعينا نجيبك من خلال ما يلي:
أولا: من الحقائق الثابتة أن الابتلاء سنة من سنن الله تعالى لا يخلو أحد منها، وأن بعض البيوت تبتلى بخلافات عابرة تزول بالحكمة والصبر، وبعضها يبتلى بمشكلات أعمق تتعلق بالأخلاق والطباع وطريقة التفكير.
والمؤمن حين ينزل به البلاء لا ينظر فقط إلى ألمه، بل ينظر إلى ما يريده الله منه في هذه المرحلة من الصبر والاحتساب، قال تعالى: {وبشر الصابرين}، وقال سبحانه: {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب}، لكن الصبر الذي أمر الله به ليس معناه أن يقبل الإنسان الظلم إلى غير نهاية، ولا أن يسكت عن الإهانة المستمرة أو الاتهام الباطل، وإنما معناه أن يتعامل مع البلاء وفق شرع الله وحكمته.
ثانيا: أكثر ما لفت انتباهي في كلامك ليس الطلاق نفسه، وإنما ما ذكرته من الشك المستمر والاتهامات التي تمس الشرف مع عدم وجود دليل، مع اعتراف أهله وغيرهم بحسن أخلاقك واستقامتك، فهذا أمر خطير شرعا؛ لأن أعراض المسلمين ليست مجالا للظنون والأوهام والقصص المتخيلة.
وإذا كان الرجل يكرر الاتهامات، ويؤلف الوقائع، ويشكك في زوجته دون بينة؛ فإن المشكلة هنا ليست مجرد اختلاف طباع بين زوجين، بل خلل يحتاج إلى علاج حقيقي من صاحبه.
ثالثا: كذلك يظهر من رسالتك أنك بذلت جهدا كبيرا جدا للمحافظة على البيت، فقد تحملت سنوات من الخلافات، ثم سعيت بعد الطلاق في الإصلاح، وأدخلت أهل الخير والوسطاء، ووافقت على أمور كنت ترينها مجحفة في حقك، رغبة في عودة الأسرة واستقرار الأولاد؛ ولهذا لا يجب أن تحملي نفسك مسؤولية فشل الإصلاح متى ما حدث.
رابعا: من الأمور المهمة أن تتأملي ما حدث بعد الرجعة؛ فالرجل لم يرجع وهو مقتنع بفتح صفحة جديدة وبناء حياة مستقرة، وإنما عاد بعد اشتراطات وتنازلات، ثم استمرت الإهانة والتقليل من شأنك وذكر أهلك بالسوء أمام الأولاد؛ وهذا يدل على أن أصل المشكلة لم يكن قد عولج، وإنما تأجل ظهوره فترة قصيرة ثم عاد من جديد.
خامسا: ما حدث في موضوع العملية، فإنه يؤلم النفس أكثر من الناحية المعنوية منه من الناحية المالية؛ لأن الزوجة حين تمرض تنتظر من زوجها السند والاحتواء والرحمة، حتى لو لم يكن قادرا على تحمل التكاليف كاملة، أما أن يتحول مرضها إلى مناسبة للضغط، أو الإبعاد، أو التخلي عنها؛ فهذا مما يزيد الجرح عمقا، ولا سيما أنك ذكرت أنك لم تطلبي منه تحمل نفقات العملية أصلا، بل كنت تبحثين عن علاجك من مالك الخاص.
والذي أخشى أن يكون قد حدث معك خلال السنوات الماضية أنك جعلت أملك كله معلقا على فكرة أن الأيام ستغيره وحدها، والحقيقة أن بعض الصفات تتغير بالتوبة الصادقة والعلاج والرغبة الحقيقية في الإصلاح، أما إذا كان صاحب المشكلة لا يعترف بها أصلا، ويرى دائما أن الخطأ في الآخرين؛ فإن التغيير يصبح أصعب بكثير.
سادسا: أنصحك الآن أن تهدئي قليلا، وأن تنظري إلى وضعك نظرة واقعية بعيدة عن ضغط المشاعر، اسألي نفسك: هل الرجل يريد فعلا حياة زوجية مستقرة؟ وهل يبذل جهدا للإصلاح؟ وهل يشعر بمسؤوليته تجاه زوجته وأولاده؟ وهل ما زالت الإهانات والاتهامات مستمرة؟ لأن الإجابة الصادقة عن هذه الأسئلة ستوضح لك الصورة أكثر من أي تحليل آخر، والاستعانة بالصالحين من أهل الحكمة يعينك على النظر بحكمة أكثر.
سابعا: من المهم أيضا ألا تسمحي للشعور بالذنب أن يسيطر عليك، فكثير من النساء اللاتي يعشن سنوات طويلة مع شخصية صعبة، يبدأن مع الوقت في اتهام أنفسهن بأنهن السبب في كل ما جرى، بينما الواقع قد يكون أن الطرف الآخر يملك من العيوب والمشكلات ما يجعل الحياة معه شاقة، مهما حاولت الزوجة الإصلاح.
ثامنا: أوصيك في هذه المرحلة بالعناية بصحتك أولا، خاصة مع ما ذكرته من مشكلات الشبكية والنزيف، فصحتك أمانة، وأولادك يحتاجون إلى أم قوية قادرة على رعايتهم، فلا تجعلي التفكير في الخلافات الزوجية يستهلك ما بقي من طاقتك النفسية والجسدية.
تاسعا وأخيرا: لا تتخذي قرارا مصيريا وأنت تحت ضغط الألم، أو الخوف، أو الحزن، بل استعيني بالله، واستشيري -كما ذكرنا- أهل الحكمة ممن يعرفون حقيقة الوضع، لا ظاهره فقط، وانظري إلى مصلحة دينك ونفسك وأولادك على المدى البعيد، فإن كان في الرجل أمل حقيقي للإصلاح فباب الإصلاح محمود، وإن كان يصر على الظلم، والإهانة، والاتهام، ورفض تحمل المسؤولية؛ فليس مطلوبا منك أن تستهلكي عمرك كله في محاولة إصلاح من لا يريد أن يصلح نفسه، لكن نكرر أن هذا القرار يكون جماعيا لا فرديا.
نسأل الله أن يشرح صدرك، وأن ييسر أمرك، وأن يشفيك شفاء تاما، وأن يحفظ أولادك، وأن يكتب لك من الخير ما تقر به عينك في الدنيا والآخرة، والله الموفق.