السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا في السادس العلمي، كنت سابقا متفوقة جدا في المراحل السابقة، وكنت أستطيع اتخاذ قراراتي الدراسية بنفسي، وأعرف كيف أدرس ومتى أدرس، إلى غير ذلك من الأمور، حتى وصلت إلى السادس العلمي، وهي آخر مرحلة في الثانوية، والتي تحدد مصيري.
المهم أن أهلي أدخلوني دورات خصوصية، وأنا لم أكن أرغب بذلك، لكنها لم تكن جيدة بالنسبة لي، فتركتها بعد معاناة مع أهلي، لكنهم بعد ذلك صاروا يتحكمون بي إلى درجة أنني لم أعد أعرف كيف أتخذ قراراتي.
أصبح عندي خوف وقلق، وابتعدت عن دراستي، وصرت أشعر أنني فاشلة فيها بسبب الخوف والقلق، وأعدت السنة الماضية، وكذلك أهلي لم يكونوا راضين، لكني لم أعد أعرف كيف أتصرف، وأصبحت أشعر أنني مقيدة.
بدأت هذه السنة أدرس من جديد، ورجعت لنفس الدوامة، رغم أنني لم أكن هكذا من قبل، ودرجاتي غير مضبوطة، ولم يبق على امتحاناتي سوى أسبوع فقط.
أهلي لا يعرفون بحالتي، لأنني أخاف من ردة فعلهم، وأنا متعبة ولا أعرف ما الحل، لا يوجد أحد يساندني في هذه المرحلة، كلها خوف وقلق، رغم أن أهلي لا يقصرون معي ماديا، لكنهم مقصرون نفسيا، ولا أحد يفهمني.
لو أخبرتهم بحالتي، أشعر أن أحدا لن يفهم، وحتى الأقارب يتدخلون، والجميع ينتظر الامتحانات والنتيجة، والضغط كبير جدا لا يوصف.
ما الحل؟ تعبت ولا أعرف ماذا أفعل! هذه السنة الثانية التي تمر، ولم يبق لي إلا الدور الثاني، وسبعة أيام فقط، وهذه فرصتي الأخيرة، لكني خائفة من الأهل، وخائفة من كل شيء.
أريد أن أرجع كما كنت، متفوقة ودرجاتي 90 فما فوق، لكن لا أعرف ماذا حدث لي، وكلما أتذكر السنة الماضية أشعر بالحزن لأنني أكرر نفس الأخطاء.
وصلت إلى مرحلة أنني أضيق جدا من أهلي، وأحيانا لا أريد حتى رؤيتهم، خاصة أمي (أستغفر الله)، لكن الأمر ليس بيدي، ولا أعرف لماذا وصلت إلى مرحلة من الكره، وأفكر أن السبب هو تحكمهم بي منذ البداية حتى وصلت لهذه الحالة من الفشل والضغط.
والدي يقول لوالدتي: هذه آخر سنة لها في المدرسة، وكلامهم مؤلم جدا، لم يكونوا هكذا من قبل، لكن في هذه المرحلة تغيروا، وتعبت جدا جدا.
أرجوكم أعطوني حلا فعليا يساعدني على رفع معدلي -إن شاء الله- في الأيام المتبقية وهي سبعة أيام، وكذلك في فترة الدور الثاني، والتي تقارب ثلاثة أشهر، وشكرا لكم.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ زهراء .. حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
بداية: نشكر لك ثقتك في عرض مشكلتك وطلب المساعدة من موقع إسلام ويب، ونشعر من خلال كلماتك بحجم الضغط النفسي، والخوف، والتوتر الذي تعيشينه في هذه المرحلة، ونسأل الله أن يشرح صدرك، وييسر أمرك، ويكتب لك التوفيق والنجاح.
ونود التأكيد بأنك في مرحلة عمرية حساسة ومهمة، ومرحلة الثانوية العامة تحديدا تعد من أكثر المراحل التي يتعرض فيها الطلاب والطالبات للضغوط النفسية، والقلق، والخوف من المستقبل، ولذلك فإن ما تشعرين به من ضيق وتوتر ليس أمرا غريبا، وكثير من الطلاب يمرون بمشاعر مشابهة بدرجات متفاوتة.
لكن في الوقت نفسه، من المهم أن تعرفي أن وجود الضغوط لا يعني الاستسلام لها أو السماح لها بأن تقود حياتك وقراراتك؛ فالضغوط جزء من الواقع، أما كيفية التعامل معها فهي التي تصنع الفرق بين من يتعثر مؤقتا ثم ينهض، ومن يستسلم للخوف فيتوقف عن التقدم.
ومن الأمور الإيجابية جدا في رسالتك أنك ذكرت أنك كنت متفوقة في جميع المراحل السابقة، وأن معدلاتك كانت مرتفعة، وأنك كنت تعرفين كيف تدرسين، وكيف تنظمين وقتك وتتخذين قراراتك الدراسية بنفسك؛ وهذه ليست أمورا بسيطة، بل هي أدلة واضحة على امتلاكك القدرة العلمية والذهنية اللازمة للنجاح والتفوق.
ولهذا: فإن المشكلة ليست في قدراتك، وليست في مستوى ذكائك أو إمكاناتك الدراسية، وإنما يبدو أن الخوف، والقلق، والضغوط النفسية المتراكمة خلال السنتين الأخيرتين أثرت على تركيزك وثقتك بنفسك، حتى بدأت تنظرين إلى نفسك وكأنك عاجزة أو فاشلة، بينما الواقع يشهد بعكس ذلك.
كما أننا نلاحظ من كلامك أن أهلك، رغم وجود بعض الخلافات حول طريقة الدراسة والدورات الخصوصية، ما زالوا حريصين على مصلحتك، ولم يبخلوا عليك بالدعم المادي أو توفير فرص التعليم، وهذه نقطة إيجابية مهمة ينبغي عدم إغفالها.
نعم، قد يكون هناك تقصير في جانب الاحتواء النفسي أو في طريقة التعامل مع مشاعرك، وقد تكون بعض الضغوط الأسرية ساهمت في زيادة معاناتك، لكن التوتر الذي تعيشينه الآن يجعلك تنظرين إلى كثير من الأمور من زاوية الألم والضغط؛ ولذلك قد تبدو الصورة أكثر قتامة مما هي عليه في الواقع.
أما عن مشاعر الضيق من الأهل أو النفور من الوالدين التي ذكرتها؛ فهي غالبا انعكاس لحالة الاحتقان النفسي والضغط الشديد الذي تعيشينه، وليست حكما حقيقيا على علاقتك بهم أو على محبتك لهم؛ ولذلك لا تبني عليها قرارات أو مواقف دائمة، فهذه المشاعر غالبا تخف عندما يخف التوتر النفسي.
أما عن سؤالك المهم: كيف أستفيد من الأيام السبعة المتبقية؟ وكيف أتعامل مع فترة الدور الثاني إذا احتجت إليها؟ فنقترح عليك الخطة التالية:
أولا: على المستوى النفسي:
1. توقفي عن تكرار عبارة أنا فاشلة أو ضيعت مستقبلي؛ لأن هذه الأفكار تستنزف طاقتك دون أن تضيف دقيقة واحدة إلى مذاكرتك.
2. ولا تفكري الآن في السنة الماضية ولا في الأخطاء السابقة؛ فالعقل عندما ينشغل بالندم يفقد قدرته على التركيز في الحاضر.
3. وقسمي يومك إلى وحدات قصيرة من الدراسة.
4. وركزي على إنجاز المهمة الحالية فقط.
5. وخصصي عشر دقائق يوميا للدعاء، والاستغفار، وقراءة شيء من القرآن؛ فذلك يمنح النفس قدرا كبيرا من الطمأنينة والاتزان.
6. ومارسي المشي أو الحركة الخفيفة يوميا لمدة عشرين دقيقة إن أمكن؛ لأن النشاط البدني يقلل من التوتر ويحسن التركيز.
ثانيا: على المستوى الشخصي والسلوكي:
1. ابتعدي خلال هذه الأيام عن المقارنات مع الآخرين.
2. ولا تراجعي نتائج السنوات السابقة ولا حسابات المعدلات المتوقعة بشكل متكرر.
3. واجعلي تركيزك على ما تستطيعين فعله اليوم فقط.
4. وحاولي أن تكتبي كل ليلة ثلاثة إنجازات حققتها خلال اليوم مهما كانت صغيرة.
ثالثا: على المستوى الأكاديمي خلال الأيام السبعة المتبقية:
1. لا تحاولي دراسة كل شيء من البداية، ركزي على الموضوعات الأكثر تكرارا وأهمية في الامتحانات السابقة.
2. واعتمدي أسلوب حل الأسئلة أكثر من القراءة النظرية الطويلة.
3. وضعي قائمة بالموضوعات التي تتقنينها أولا ثم عززيها لتضمني درجاتها.
4. واستثمري ساعات التركيز المرتفع لديك مهما كانت قصيرة.
5. واحرصي أن يكون النوم بعدد ساعات كافية؛ لأن السهر المفرط في هذه المرحلة يضعف التركيز والحفظ.
رابعا: إذا انتقلت إلى الدور الثاني:
1. هذه ليست نهاية الطريق كما يتصور كثير من الطلاب، بل قد تكون فرصة حقيقية لإعادة ترتيب الأوراق، وثلاثة أشهر مدة كافية جدا لتحسين المستوى العلمي بصورة كبيرة إذا وضعت لها خطة واضحة ومنظمة.
2. اجعلي الشهر الأول لفهم المواد الضعيفة، والثاني للتدريب المكثف على الأسئلة، والثالث للمراجعة، والتثبيت، وحل النماذج الامتحانية.
3. واعلمي أن كثيرا من الطلاب الذين تعثروا في مرحلة ما عادوا بعد ذلك وحققوا نتائج متميزة؛ لأن النجاح لا يعتمد فقط على القدرة العلمية، بل يعتمد أيضا على الصبر واستعادة التوازن النفسي بعد التعثر.
خامسا: من الجانب الشرعي:
المسلم مأمور بالأخذ بالأسباب ثم التوكل على الله تعالى، وليس مطلوبا منك ضمان النتيجة، وإنما المطلوب أن تبذلي وسعك فيما تستطيعين، وما دام الإنسان يجتهد ويستعين بالله فلا ينبغي أن يجعل الخوف من المستقبل يسرق منه فرصة العمل في الحاضر.
وخلاصة الأمر: أنت لست فتاة فاشلة، بل فتاة متفوقة تعرضت لضغوط نفسية أثرت على ثقتها بنفسها وتركيزها، وقدرتك على النجاح ما زالت موجودة، وشواهد الماضي القريب تؤكد ذلك.
ركزي الآن على ما بقي من وقت، ولا تسمحي للخوف أن يستهلك الأيام المتبقية، فهذه الأيام القليلة قد تصنع فارقا أكبر مما تتصورين، وإن احتجت إلى الدور الثاني فثلاثة أشهر مدة كافية بإذن الله للتعويض وتحقيق نتيجة طيبة.
نسأل الله أن يشرح صدرك، ويذهب عنك القلق والخوف، ويكتب لك التوفيق والنجاح والتفوق، وأن يقر عين والديك بما يسرك، والله الموفق.