السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وجزاكم الله عنا خير الجزاء.
علمت منذ مدة وجيزة أن ما أعانيه منذ أكثر من خمسة عشر عاما يعود إلى سحر مأكول ومشروب؛ إذ ظهر الخادم المتلبس بي في إحدى جلسات الرقية الشرعية بصوته، وحركاته التشنجية الشديدة، ورغبته العارمة في إسكات الراقي، وأذية الحاضرين، كنت حينها في بيت أهلي ببلد غير بلد إقامتي الحالية.
وبعد عودتي إلى بلد إقامتي -حيث ليس بالقرب مني سوى زوجي وأولادي- عاودتني تلك الحالة؛ فظهرت التشنجات الشديدة، ونطق بكلمات سريعة غير مفهومة، وصاحب ذلك ألم مبرح في البطن، وتزامن هذا مع اليوم الذي قرأت فيه سورة البقرة كاملة، ومنذ ذلك الحين، تملكني الخوف مجددا من أذية أولادي بعد ذهاب زوجي إلى عمله، كما تملكني الذعر من الذهاب إلى المسجد الذي أدرس فيه القرآن الكريم؛ خشية أن تباغتني هذه الحالة هناك، فألحق الأذى بنفسي، أو بالأطفال.
يضاف إلى ذلك أنني مصابة بالاكتئاب والقلق منذ سنوات، وأخضع للعلاج الدوائي والجلسات النفسية بانتظام، وقد أكد كل من حضر حالتي في بيت أهلي وجود المس؛ نظرا للتغير الشديد الذي طرأ علي ولما نطق به المتلبس.
وبفضل الله، أنا مداومة على الأذكار، وملتزمة ببرامج دينية وتعليمية مستمرة، ندرس فيها التفسير، والحديث، والعقيدة، وكل ما يلزمنا للثبات على الدين، غير أن مخاوفي تفاقمت كثيرا بعد عودتي إلى بلد إقامتي، لا سيما أن زوجي يضطر للذهاب إلى عمله، ولا يمكن لأحد الوصول إلي إن عاودتني النوبة.
فبماذا تنصحونني تجاه هذا الخوف الشديد مما يحدث معي؟ وهل أعتذر عن عدم التدريس في المسجد خشية المباغتة؟ علما بأنني سأداوم على قراءة القرآن الكريم -بإذن الله- يقينا مني بأنه القوة والتحصين، لكني أخشى الإضرار بنفسي أو بالآخرين، خاصة وأن من أعلمهم أطفال صغار.
وجزاكم الله عنا خير الجزاء.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ Minna حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك أختنا الكريمة في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله تعالى أن يشفيك شفاء تاما، وأن يبدل خوفك أمنا، وقلقك طمأنينة، وهمك فرجا، وردا على استشارتك أقول مستعينا بالله تعالى:
اعلمي أن ما يحل بالإنسان إنما هو جار وفق قضاء الله وقدره، وأن أقدار الله كلها خير للعبد علم ذلك أم لم يعلم، يقول ربنا سبحانه: (إنا كل شيء خلقناه بقدر)، وقال عليه الصلاة والسلام: (قدر الله مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء)، ولما خلق الله القلم قال له: اكتب، قال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة)، وقال عليه الصلاة والسلام: (كل شيء بقضاء وقدر حتى العجز والكيس)، والكيس الفطنة.
حياة المسلم لا تستمر على حال واحد، بل هي دائرة بين المحن والمنح، وصدق نبينا عليه الصلاة والسلام حين قال: (عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكانت خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكانت خيرا له).
ما يحل بالمسلم إما أن يكون بسبب ذنوب اقترفها ولم يتب منها جهلا أو نسيانا، كما قال تعالى: (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير)، وإما أن يكون ذلك ابتلاء لرفع الدرجات وتكفير الذنوب والسيئات، قال تعالى: (ونبلوكم بالشر والخير فتنة ۖ وإلينا ترجعون).
ما ينزل بالمؤمن من بلاء من مرض، أو ضيق في الرزق، أو غير ذلك إلا كان في ذلك تكفير لذنوبه، يقول صلى الله عليه وسلم: (ما يصيب المسلم من نصب، ولا وصب، ولا هم، ولا حزن، ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه).
للأسف الشديد شاع في أوساط المسلمين تفسير أغلب الظواهر بأنها سحر، ومس، وحسد، وعين، دون النظر في الأسباب الحقيقية لتلك الظواهر، وأحيانا تكون الأوهام مسيطرة لدرجة أنها تؤثر على تصرفات الإنسان، مستجيبة لما استقر في العقل من المعتقدات التي ليس لها أي دليل صحيح، ونحن هنا لا ننكر وجود كلا من السحر، والمس، والحسد، والعين، ولها تأثيرها على الإنسان، لكننا ننكر الاستعجال في الحكم؛ لأن التشخيص لهذه الحالات أغلبه ظني، وليس كالتشخيص الطبي المبني على مقدمات، وحقائق علمية.
لا بد من التفريق بين الأمور التي نتيقن منها، والأمور التي نظنها أو نحتملها، فوجود أعراض شديدة أثناء الرقية لا يكفي وحده للجزم بوجود سحر، أو مس؛ لأن بعض الحالات النفسية والعصبية قد يصاحبها تشنج، أو تغير في الصوت، أو السلوك، أو الاستجابة الشديدة للانفعال والخوف.
ينبغي الحذر من بناء جميع القرارات المصيرية على تفسير واحد فقط للحالة، فالطريق الصحيح للتشخيص يبدأ عن طريق الطب سواء كان النفسي، أو العضوي، فإن ظهرت النتائج سليمة، فهنا تأتي الخطوة الثانية، وهي الرقية؛ بشرط أن تكون لدى شخص ثقة ناصح مأمون، لا يأكل أموال الناس بالباطل، ويكون صاحب خبرة وتجربة.
ذكرت في استشارتك أنك تعانين منذ سنوات من الاكتئاب والقلق، وتتابعين العلاج الدوائي والنفسي، وهذا أمر مهم جدا لا ينبغي إغفاله؛ لأن القلق الشديد قد يولد خوفا متعاظما من فقدان السيطرة على النفس، أو إيذاء الآخرين، حتى لو لم يكن الشخص في الحقيقة مؤذيا لهم، وهذا ما ظهر من خلال كلامك أنك تخافين على نفسك، وعلى أولادك، وعلى تلامذتك.
سبق أن ذكرت لك أننا نؤمن بوجود السحر، والمس، والحسد، والعين، لكننا نؤمن كذلك أن المؤمن لا يضره شيء إلا بإذن الله، قال ربنا سبحانه: (وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله)، كما نؤمن بأن الله تعالى جعل أسبابا للعلاج الشرعي والحسي معا، فلا ينبغي أن يكون الاعتقاد بوجود المس سببا للاستسلام للخوف، أو تعطيل الحياة، أو الانقطاع عن الأعمال الصالحة النافعة بحجج وسواسية واهية.
الأصل في المسلم السلامة، وخوفك من أذية أولادك أو الأطفال الذين تدرسينهم، لا معنى له سوى الوساوس، فلا ينبغي الانتقال عن أن الأصل في المسلم السلامة بمجرد الخوف أو الاحتمال، فإن كنت خلال هذه السنوات الطويلة لم يصدر منك اعتداء حقيقي على أولادك، أو على غيرهم، فمجرد الخوف من وقوع ذلك لا يكفي لترك التدريس، أو اعتزال الناس.
بخصوص النوبات التي تتكرر عندك بصورة مفاجئة، إن كان يصاحبها فقدان للوعي، أو فقدان للتحكم في التصرفات، أو حركات عنيفة لا تستطيعين السيطرة عليها؛ فهنا ننصحك بمراجعة طبيب نفسي، أو طبيب أعصاب مرة أخرى لوصف الحالة بدقة، وعدم الاكتفاء بتفسيرها على أنها مس أو سحر فقط، ولا تصغ لكلام الناس، أو تواترهم على الكلام بأنك ممسوسة.
استمري في استخدام العلاج النفسي والدوائي، وعدم إيقافه، أو زيادة أو إنقاص الجرعة إلا بتوجيه من الطبيب المعالج.
حافظي على أذكار اليوم والليلة، ومنها دعاء الخروج من المنزل ودخوله، ودعاء الدخول والخروج من الحمام، وأذكار النوم والاستيقاظ، وأذكار الطعام والشراب، وغير ذلك مستعينة بالكتب المختصة بالأذكار.
حافظي على وردك من القرآن الكريم، وخاصة سورة البقرة، واجعلي ما تقرئينه رقية لنفسك، وتحصينا لبيتك.
أغلقي باب البحث عن الكلام المكتوب، أو المقاطع الصوتية، أو المشاهدة التي تتحدث عن المس والسحر، والتي غالبا ما تثير في نفس الإنسان الخوف والرعب وتعمق القلق والوساوس.
اجعلي حياتك اجتماعية مع زوجك، وأبنائك، والمقربين إليك من أهلك، وصديقاتك وجيرانك؛ لأن ذلك يشكل لك نوعا من الدعم النفسي، وتجنبي البقاء منفردة؛ فإن الانفراد مجلبة للوساوس، ويولد التفكير والخوف والقلق، والتعمق في التفكر في الأعراض التي تعانين منها.
إن بدت أو شعرت بأعراض حدوث أي نوبة أثناء التدريس فيمكنك التوقف، وأخذ فترة راحة مؤقتة، وإن وجدت معلمة أخرى، فاطلبي منها المساعدة حتى يطمئن قلبك.
لا تتركي التدريس، ولا تعتذري عنه لمجرد الخوف والاحتمال، خاصة أنك ذكرت حرصك على القرآن والتعليم والدعوة، فإن ثبت بالتجربة أن النوبات تتكرر بشكل مفاجئ وتتكرر أثناء الدروس أو في الأماكن العامة؛ فحينها يمكن التخفيف من الأنشطة مؤقتا حتى تستقر حالتك، لا من باب الاستسلام للخوف، بل من باب الأخذ بالأسباب.
كثير من المصابين بالقلق يمرون بما يسمى "الخوف من الخوف"، أي يصبح الشخص خائفا ليس من النوبة نفسها، بل من احتمال عودتها، فيعيش في دائرة ترقب دائمة تزيد الأعراض قوة؛ لذلك لا تجعلي انتظار النوبة محور يومك، بل واصلي حياتك الطبيعية قدر الإمكان مع الأخذ بالأسباب الشرعية والطبية.
الاستمرار برقية نفسك بالقرآن والأدعية المأثورة وغير المأثورة أمر مهم، واجعلي تلك الرقية عامة للتحصن والعلاج، لا من تلك التشنجات فحسب، بل مما هو حاصل ومما لم يحصل، كما ورد في الأثر أن الرقية تنفع مما نزل ومما لم ينزل.
أخيرا: نوصيك بكثرة التضرع بالدعاء بين يدي الله تعالى، مع تحين أوقات الإجابة، وخاصة أثناء السجود كما قال عليه الصلاة والسلام: (أقرب ما يكون العبد من ربه، وهو ساجد فأكثروا من الدعاء، فإنه قمن أن يستجاب لكم)، وفي الثلث الأخير من الليل كما قال عليه الصلاة والسلام: (ينزل ربنا في الثلث الأخير من الليل إلى السماء الدنيا، فينادي هل من داع فأستجيب له...)، وحين تصحين وأنت على فراش نومك للحديث: (من تعار من الليل، فقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، الحمد لله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال اللهم اغفر لي، أو دعا استجيب له، فإن توضأ وصلى قبلت صلاته)، وما بين العصر والمغرب من يوم الجمعة، ففي الحديث: (إن في الجمعة لساعة لا يوافقها عبد مسلم قائم يصلي إلا استجاب الله له)، ومعنى يصلي أي يدعو ربه.
نسأل الله تعالى أن يشفيك شفاء لا يغادر سقما، وأن يحفظك وأولادك، وأن يرزقك السكينة واليقين، إنه سميع مجيب.