أشعر أنني فقدت شخصيتي وثقتي بنفسي بسبب التعلق بالآخرين وإرضائهم!

0 0

السؤال

السلام عليكم

أنا طبيبة في فترة التدريب، مشكلتي هي التعلق بالآخرين، في البداية كان تعلقي بأهلي، وكنت دائما أشعر أنهم يحبونني، وحتى إن حدث منهم أي تقصير أو موقف يضايقني، كنت ألتمس لهم العذر، وكثيرا ما كنت آتي على نفسي إن شعرت أن أحدهم يحتاجني، وإذا كان أحدهم حزينا أحاول أن أسعده ولا أتركه لحزنه.

وكنت أراعي مشاعرهم دائما، حتى وإن كانوا مخطئين، لا أواجههم بخطئهم -وأعلم أن هذا سلوك خاطئ- كان إحساسي هذا يغنيني عن البحث عن الاهتمام خارج الأسرة، بل لا أنزعج من الرفض خارجا، وكنت واثقة في نفسي أكثر.

لكن مؤخرا، أصبحت أشعر أن أهلي لا يحبونني؛ فعندما احتجت إلى أن يطمئنني أحد بعد مواقف سيئة حدثت معي لم أجدهم، وطلبت منهم المساعدة ولكن لم أجدهم أيضا، وبدأت أشعر أنهم مقصرون معي، وأنهم لم يعدلوا بيني وبين إخوتي.

بناء على ذلك، صرت أبحث عن الاهتمام من الآخرين خارج المنزل، وأفعل كل ما يطلب مني من أي أحد ولا أعارض. في المقابل، صرت عدوانية مع أهلي، ولم أعد أحب نفسي أو أحب أحدا، ولا أتعاطف مع أي موقف، صرت أشعر أنه ليس عندي شخصية، فقد محوتها من أجل الآخرين؛ حيث كنت أصبر على ما يضايقني، وأسكت عن الخطأ، ولا أشارك برأي، وإذا أهانني أحد لا أستطيع الرد عليه، ولم أعد أعلم كيف أتخذ قرارات تخصني.

أنا انطوائية، وأصبت بوسواس قهري أفقدني كثيرا من ثقتي، وأعتقد أن لدي درجة من الرهاب الاجتماعي؛ فساءت حالتي خاصة بعد احتكاكي بالناس في أول سنة من التدريب.

لقد اكتشفت جوانب سيئة في شخصيتي مثل: تقبل الإهانة، وعدم المواجهة، وعدم قدرتي على وضع حدود واضحة، وضعف الشخصية، وعدم الاستحقاق.

مشكلتي أنني أشعر أن أهلي سبب كبير في تكوين هذه الشخصية؛ فدائما ما كنت ألوم نفسي على أي شيء، وأرى أنني أنا السبب ولا أحد له يد في ما أعاني منه، ولا ألقي باللوم أبدا على الآخرين، لكن مؤخرا -ولأخفف من جلدي لنفسي- لم أعد أحمل نفسي المسؤولية وحدها، وأشعر أنهم حقا سبب في ذلك؛ فنحن على مدار الكثير من السنوات عشنا في مشاكل كثيرة.

حاولت أن أنشغل بأمور أخرى، لكنني أعود وأشعر أنني بحاجة إلى أن أكون مع أحد أشاركه همي وأتحدث معه، ولم أتمكن من البقاء بمفردي.

يقولون لي إنني حساسة وأتعامل مع الأمور بحساسية شديدة، لكنني لا أصدقهم، بل أشعر أنهم مقصرون معي، وأنني أحاول أن أقوي شخصيتي، وهم لا يعجبهم هذا فيتهمونني بالحساسية.

أريد نصيحة؛ كيف أكتفي بنفسي ولا أتعلق بالآخرين؟ وكيف لا أفعل ما يريدون، حتى وإن كان خاطئا؛ كي لا أخسرهم؟ وكيف أعود واثقة بنفسي كما كنت؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ Heba حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نرحب بك -أختنا الفاضلة زميلة عزيزة- على هذا السؤال، والذي ربما لم يكن من السهل كتابته أو التعبير عما في نفسك تماما.

أختي الفاضلة، لا شك أن طريقة معاملة أهلك لك في الماضي جعلت منك الشخص الذي أنت عليه الآن، ولهذا لا ينفع كثيرا لوم نفسك كيف كنت في طفولتك؛ فكان المفروض من أهلك أن يوجهوك التوجيه الصحيح، ولا يبررون تقصيرهم أو أخطاءهم أو يلقونه عليك، مما جعلك تتقمصين هذا وتلومين نفسك على كل صغيرة وكبيرة؛ لتحمي أهلك من الاتهام أو الإشارة بخطأ سلوكهم.

أختي الفاضلة، الإنسان مخلوق اجتماعي بطبعه؛ فكلنا يحتاج أن يتواصل مع الآخرين، وأن تكون له علاقة طيبة مع الآخرين، سواء في الأسرة أو خارج الأسرة، لذلك لا حرج أيضا في أنك تطلبين الدعم من خارج الأسرة طالما أنك وصلت إلى عدم الحصول على هذا من الأسرة، ولكن هنا احرصي على الصحبة الصالحة، فلا شك أن هناك من الطبيبات أو الفتيات والشابات في العمل معكم، ممن يمكن أن تطمئني إليها وتقدمي لها الدعم، وهي بالتالي تقدم لك الدعم، مما يساعدنا على المضي في الحياة.

أختي الفاضلة، أيضا ما ذكرت من الرهاب الاجتماعي؛ فإن طبيعة الشخصية والتنشئة التي نشأت عليها يمكن أن تبرر شيئا من هذا الرهاب الاجتماعي، والذي أفضل علاج له عدم التجنب، وإنما الإقدام على مقابلة الناس، والأخذ والعطاء معهم؛ فهذه أفضل طريقة علاج سلوكي لتجاوز هذا الرهاب.

أختي الفاضلة، ما ذكرت من أن الناس يتهمونك بشدة الحساسية؛ فهذا أمر متفهم وهو أمر دفاعي؛ فما مررت به في طفولتك وشبابك جعلك ربما تتحسسين لبعض المواقف من باب حماية نفسك من سوء المعاملة، فما أحاول أن أقوله هنا أن تجارب الماضي السلبية ستقوي منك آليات الدفاع والحماية؛ لتحميك من المزيد من سوء المعاملة أو الاستغلال.

لذلك أختي الفاضلة:
أولا: ابدئي بتقبل نفسك كما أنت؛ فهذا رأس مالك، والنبي ﷺ يقول: إن لنفسك عليك حقا، فهذه النفس التي بين جنبيك هي التي ستحملك وتعينك على متابعة الطريق.

وثانيا: خذي نفسك بشيء من الرفق، ولا تلومي نفسك على الماضي؛ فقد أصبح تاريخا، وركزي على الوقت الذي أنت فيه، وبإذن الله تعالى يكون المستقبل أفضل.

أختي الفاضلة، لا شك أن التعامل والعيش بين الناس يحتاج إلى الكثير من الصبر والحكمة والمهارة، والتي لا شك عندي بأنك ستكتسبينها خلال وقت قصير؛ لتقفي على قدميك، وتعبري عن شخصيتك التي ترتاحين إليها.

وهناك قاعدة في الصحة النفسية تقول: "كن أنت"، أي: كوني أنت التي بشخصيتك ومواهبك وإمكاناتك، وهذا الذي سيميزك عن الآخرين؛ مما يجعلهم تنفتح صدورهم وقلوبهم لك، وبالتالي تعيشين بشكل متوازن بين رعاية حاجاتك الشخصية والتعايش مع الآخرين.

أختي الفاضلة، إذا صعب عليك القيام بكل هذا بمفردك، وشعرت بثقل هذه التراكمات النفسية؛ فلا مانع أبدا من أن تستشيري أخصائية نفسية ثقة، تعقد معك عدة جلسات علاجية منظمة، تتيح لك الحديث المفصل والبوح الآمن بكل هذه القضايا والآلام المخبوءة؛ فوجود المختص يختصر عليك طريق التشافي، ويمنحك آليات علمية دقيقة ومتدرجة لإعادة بناء ثقتك بنفسك، وبناء مهارات المواجهة والسلوك الإيجابي، وتجاوز مخاوف الرهاب الاجتماعي بصورة عملية مدعومة بالإرشاد السلوكي الصحيح.

أدعو الله تعالى أن يشرح صدرك، وييسر أمرك، ويعينك في التدريب الطبي لتكوني زميلة لنا في وقت قريب، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

مواد ذات صلة

الاستشارات