هل يمكنني الادخار من المال الذي يرسله والدي لي؟

0 0

السؤال

السلام عليكم.

أنا طالب أدرس بعيدا عن أهلي، في كل فترة أبي يرسل لي بعض الأموال، وأحيانا أطلب منه عندما تنفد لكي أنفقها على نفسي من مأكل، ومشرب، وغيره من المشتريات، أما عن مصاريف السكن والجامعة فهو يدفعها بنفسه، فهل يمكنني ادخار بعض الأموال التي يرسلها لي؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ مازن حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نشكركم لتواصلكم معنا وثقتكم بموقعنا.

فهمنا من رسالتك -أخي الكريم- أنك طالب مغترب عن أهلك، يرسل إليك والدك بين الحين والآخر مبلغا من المال لتنفق منه على حاجاتك الأساسية من طعام وشراب، وما تحتاجه في يومك، بينما يتكفل هو مباشرة بنفقات السكن والجامعة، وأنت تتساءل عن مدى مشروعية أن تدخر شيئا مما يرسله إليك.

في البداية أحييك على هذا السؤال؛ فهو ينم عن وعي مالي مبكر، وعن حرص على الأمانة، وحسن التصرف فيما بين يديك، وهذه خصلة كريمة قل أن تجدها عند كثير من الشباب في مثل سنك، فبورك فيك.

ومسألتك -أخي الكريم- يمكن أن ننظر إليها من زاويتين:

الزاوية الأولى: تتعلق بنية الوالد، وقصده من هذا المال:
فالأصل أن ما يرسله الأب لابنه إنما هو على سبيل التمليك، أي أنه يصير ملكا لك تتصرف فيه كما تشاء، في حدود المعروف، لا على سبيل الوكالة في الإنفاق على أمر بعينه، وما دام الوالد يرسل المبلغ لينفقه الابن على نفسه في طعامه وشرابه ومشترياته، فإن ما يفيض عن حاجتك يبقى ملكا لك، ولا حرج عليك في ادخاره، فالادخار هنا ليس أخذا لما ليس لك، بل هو حسن تدبير لما هو لك أصلا.

أما الزاوية الثانية: فتتعلق بصورة قد تكون قائمة، وهي أن يكون الوالد يقدر المبلغ على أساس حاجة محددة يظنها، فإذا علم أنك تدخر منه شيئا، فقد ينقص ما يرسله ظنا منه أنك في غنى عنه، وهنا تبرز قيمة الصدق والوضوح في العلاقة بينك وبين والدك.

ومن هنا تأتي نصيحتنا، وهي أن أفضل ما تفعله هو أن تصارح والدك بالأمر في لطف ومحبة، فتخبره أنك تستطيع أن تدبر أمرك بما يرسله، وأنه يفيض عن حاجتك شيء ترغب في ادخاره لطارئ، أو لهدف تسعى إليه، وفي هذه المصارحة خير كثير؛ فهي تطمئن قلبه إلى رشدك، وتزيد ثقته بك، وتجنبك أي إحراج لو علم بالأمر فيما بعد، وفوق ذلك كله فيها بر به، وإكرام لمشاعره.

قال الله تعالى: (وقضىٰ ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا) فجعل سبحانه الإحسان إلى الوالدين قرين توحيده، والمصارحة الصادقة من تمام هذا الإحسان.

بالطبع، مصارحة الوالد بالأمر قد يحمل إشكالية أخرى، إن كنت ترى أنه قد يلجأ للتقتير عليك في المصروف مثلا، فهنا يمكن أن نجتهد ونقول لك في هذه الحالة-عدم المصارحة أفضل-، وإن علم لاحقا فلن يؤنبك-غالبا- بل سيسر لحسن تدبيرك، لكن هذا الموضوع يتوقف على طبعية شخصية الوالد، وطبيعة علاقتك معه، وأنت الذي تقدر هذا الأمر.

ولا بد أن نذكرك بأمر مهم: إن الذي يحمله إليك والدك في كل مرة ليس مجرد مال، بل هو حب يتجسد، وتعب عمر يهديه إليك في صمت، فاجعل هذا المال يمر على قلبك قبل أن يمر على يدك، واسأل الله أن يبارك لك فيه، وأن يجعل والدك من أهل قوله -صلى الله عليه وسلم-: (إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم).

ومن الأمور التي سوف تعينك -بإذن الله-:
أن تضع لنفسك خطة بسيطة لإدارة ما يصلك؛ فتقسمه إلى نفقة أساسية لطعامك وشرابك، وقدر تحتفظ به للطوارئ، وقدر تدخره لهدف واضح كشراء كتاب نافع، أو عدة لتخصصك، أو ما تستعين به على دراستك، وهذا الترتيب يربيك على الانضباط المالي الذي سينفعك طوال عمرك.

أن تجعل لمدخراتك غاية نبيلة، فلا تدخر لمجرد التكديس، بل ليكون لك في يوم عسرة ما يغنيك عن سؤال الناس؛ فقد أرشد النبي -صلى الله عليه وسلم- في معنى الكفاف والاستغناء ما يحث على العفة، وحفظ ماء الوجه.

أن تتذكر فضل والدك في كل مرة تنفق فيها أو تدخر، فتدعو له بظهر الغيب؛ فدعوة الابن الصالح لأبيه من أبر البر.

وفي حسن تدبيرك لمالك، وادخار فضله معنى جميل صاغه الشاعر حين قال:
وللنفس أخلاق تدل على الفتى*** أكان سخاء ما أتى أم تكلفا

فالاعتدال في الإنفاق والادخار، لا إسراف ولا تقتير، هو طريق الفتى الرشيد.

وأخيرا -أخي الكريم-: اعلم أن أعظم بركة في المال إنما تكون بطاعة الله فيه، وبر الوالدين به؛ فما أنفقت منه في حلال فهو لك، وما ادخرت منه بنية صالحة فهو خير لك، وما دعوت لوالدك عنده فهو أبقى لك.

نسأل الله أن ييسر أمرك، وأن يشرح صدرك، وأن يبارك لك في رزقك ووالدك، وأن يهديك سواء السبيل.

مواد ذات صلة

الاستشارات