السؤال
السلام عليكم.
عمري 44 سنة، لما يذكر الزواج لا أكترث، ولا أعرف السبب، وأتهرب من الذي يسألني متى تتزوج!
السلام عليكم.
عمري 44 سنة، لما يذكر الزواج لا أكترث، ولا أعرف السبب، وأتهرب من الذي يسألني متى تتزوج!
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك أخي الفاضل في استشارات إسلام ويب، وأسأل الله أن يوفقنا وإياك لصالح القول والعمل.
أخي الكريم: أريد أن أطمئنك أولا أن مجرد عدم الحماس للزواج أو تأخره لا يعني بالضرورة وجود خلل نفسي، أو مشكلة شخصية، كما لا يعني أن الإنسان مقصر في دينه، أو فاقد للفطرة السوية، لكن في الوقت نفسه فإن هذا الشعور يستحق التأمل والفهم؛ لأن معرفة الأسباب الحقيقية تساعد الإنسان على اتخاذ القرار المناسب لنفسه وحياته.
أخي الكريم: عندما يعيش الإنسان بمفرده لفترة طويلة يعتاد على مساحة كبيرة من الحرية والاستقلال في قراراته وأسلوب حياته، حتى تصبح هذه الاستقلالية جزءا من تكوينه النفسي؛ ولذلك قد لا يكون نفورك من الزواج نفورا من العلاقة الزوجية نفسها، وإنما من التغيير الكبير الذي يفرضه الزواج على نمط الحياة المعتاد، كما أن بعض الأشخاص لا يرفضون الزواج حقيقة، وإنما يرفضون ما يتصورونه من أعباء ومسؤوليات مرتبطة به؛ فالزواج في نظرهم ليس مجرد مودة وسكن، بل مسؤوليات مالية، والتزامات أسرية، وتنازلات متبادلة، وتربية أبناء، وإدارة خلافات ومواقف حياتية متعددة، وقد يتحول هذا الإدراك إلى نوع من التجنب غير الواعي يظهر في صورة عدم اهتمام وأحيانا نفور غير مباشر.
كذلك من الاحتمالات المهمة أيضا: أن تكون هناك صورة نمطية سابقة أثرت في نظرتك للزواج دون أن تشعر بذلك بصورة مباشرة، فمشاهدة حالات طلاق مؤلمة، أو كثرة الخلافات الزوجية في الأسرة أو المجتمع؛ كلها أمور قد تترك أثرا عميقا في النفس وتجعل الإنسان يربط الزواج بالمشكلات أكثر مما يربطه بالاستقرار والسكينة.
أخي الكريم: من الممكن أن يكون جزء من نفورك عن فكرة الزواج وممن يحدثك عنها ناتجا عن الضغط الاجتماعي المستمر، فكثير من الرجال الذين تأخروا في الزواج لا ينزعجون من الزواج نفسه بقدر ما ينزعجون من تكرار السؤال عنه، ومع مرور السنوات يتحول السؤال المتكرر إلى مصدر ضيق؛ فينشأ نوع من الرفض التلقائي لكل ما يتعلق بالموضوع.
ومن المهم أن تعلم أن الناس يختلفون في احتياجاتهم النفسية والعاطفية، فليس كل البشر على درجة واحدة من الرغبة في الارتباط، فهناك من يشعر بحاجة شديدة إلى تكوين أسرة، وهناك من تكون حاجته أقل، ويجد قدرا من الاكتفاء في عمله أو إنجازاته، أو علاقاته الاجتماعية الأخرى، وهذا في حد ذاته ليس عيبا ولا مرضا.
لكن ينبغي التنبه إلى أمر مهم، وهو أن الراحة الحالية ليست دائما مؤشرا كافيا لاتخاذ قرار طويل المدى، فالإنسان يتغير مع العمر، وقد تختلف احتياجاته النفسية والاجتماعية بعد عشر سنوات عما هي عليه اليوم؛ لذلك من الحكمة ألا ينظر إلى حاضره فقط، بل إلى مستقبله أيضا، فوجود امرأة تساندك، وعائله تقف معك وتحمل اسمك من أعظم مقاصد الزواج.
الجانب الثاني من الناحية الشرعية: من المهم تصحيح تصور شائع عند كثير من الناس، وهو أن الزواج فرض لازم على كل إنسان في كل حال، والواقع أن الفقهاء قرروا أن حكم الزواج يختلف باختلاف أحوال الأشخاص.
فالزواج يكون واجبا على من يخشى على نفسه الوقوع في الحرام، ولا يستطيع حفظ نفسه إلا به، ويكون مستحبا مؤكدا لمن كان قادرا عليه، ويرجو مصالحه العظيمة من السكن والمودة والذرية، وقد يكون مباحا إذا لم توجد دوافع قوية توجب فعله أو تركه، وقد رغب النبي صلى الله عليه وسلم في الزواج فقال: يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج متفق عليه، كما قال تعالى: ﴿ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة﴾.
فهذه النصوص تدل على عظمة الزواج ومكانته، وأن الأصل فيه أنه باب من أبواب السكن والاستقرار والعفة وتحقيق مقاصد الحياة الأسرية، لكنها لا تدل على أن كل من لم يتزوج، أو لم يرغب في الزواج يكون آثما؛ ولذلك فإن مجرد عدم وجود رغبة قوية لديك لا يعد ذنبا في حد ذاته، ما دمت محافظا على حدود الله وعفيفا عن الحرام، خصوصا لمن يعيش في بلاد غير المسلمين وما فيها من فتن وشهوات أعظم من غيرها.
ومع ذلك، فإنني أنصحك بأن تطرح على نفسك عدة أسئلة بصدق:
- هل أنا فعلا لا أريد الزواج، أم أنني أخاف من تبعاته؟
- هل نفوري من الزواج نفسه أم من ضغط الناس المتكرر؟
- هل لو وجدت امرأة مناسبة صالحة تتوافق مع قيمي وشخصيتي فسأبقى على الموقف نفسه؟
- هل قراري نابع من قناعة واعية أم من تجنب وخوف؟
هذه الأسئلة قد تكشف لك جوانب لم تنتبه إليها من قبل، وتساعدك على طرح هذا الأمر بموضوعية.
أخيرا أخي الفاضل: الموقف الأكثر توازنا ليس أن تتزوج استجابة لضغط المجتمع، وليس أيضا أن تغلق الباب نهائيا دون مراجعة نفسك، بل الأفضل أن تبقي الباب مفتوحا، وأن تنظر إلى فرص الزواج بعقل هادئ وموضوعي، دون استعجال ودون رفض مسبق ونهائي.
فإن وجدت في نفسك ميلا حقيقيا إلى الاستمرار على حالك بعد دراسة واعية للأمر، ولم تكن تخشى على دينك أو أخلاقك، فلا تحمل نفسك ما لا تطيق بسبب كلام الناس، أما إذا اكتشفت أن وراء هذا النفور مخاوف أو تصورات سلبية أو جروحا قديمة، فالأفضل أن تعمل على معالجتها قبل أن تجعلها أساسا لقرار مصيري دائم.
أكثر من الدعاء أن يختار الله لك الخير، ويعينك عليه، وبادر إلى إصلاح نفسك، والاستقامة على طاعة الله؛ فهذا مما يعين على حسن القرار والطمأنينة في الأمور كلها.
أسأل الله لكم التوفيق والسداد.