السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
توجد خلافات ومشاحنات مستمرة منذ سنوات طويلة بين أبناء من زواج سابق وبين زوجة الأب، حتى أصبحت الحياة داخل المنزل مليئة بالتوتر والضغط النفسي على جميع الأطراف.
الأب لا يرغب في الطلاق، لكن الأبناء يرون أن السكن المنفصل قد يكون حلا مناسبا لتقليل المشكلات وحفظ راحة الجميع.
فهل يجوز للأبناء أن يطلبوا من أبيهم توفير سكن مستقل له ولزوجته وأولاده منها، إذا كانوا يرون أن استمرار السكن المشترك يسبب ضررا نفسيا شديدا، ومشكلات متواصلة؟ وهل يكونون آثمين إذا اعترضوا على استمرار الوضع الحالي؛ طلبا للراحة النفسية؟
وللعلم، فإن المنزل الذي نعيش فيه قد بنيت مبانيه من مالي الخاص أنا وإخوتي، وأبي لا يملك إلا أرض المنزل، بمعنى أن من حقه أن يبني فوقنا، لكن ذلك متعذر بسبب الأوضاع المالية.
والمشاحنات مستمرة يوميا دون انقطاع، حتى إننا لم نعد نعرف ماذا نفعل، وفي كل سنة نأمل أن تتحسن الأحوال، ونسعى إلى الصلح وإصلاح الأوضاع، لكن لا يحدث أي جديد، بل هي المشكلات نفسها منذ 12 سنة.
وقد تحدثنا في الأمر أكثر من مرة، وتحملنا كثيرا، وتغاضينا عن أمور كثيرة؛ لأن أبي كان يقول دائما: اعذروها، فعقلها صغير، لكننا بقينا على هذا الحال 12 سنة، فإلى متى يستمر ذلك؟
فهل نأثم إذا أدخلنا أطرافا من الأقارب، أو أهل الرأي والإصلاح للتدخل في الموضوع، بسبب رفض أبي أن يستأجر لها بيتا مستقلا؟
كما أود أن أوضح أنه ليست لدي، ولا لدى إخوتي، أي مشكلة مع إخوتنا منها، بل نحن على استعداد لأن نرعاهم، وننفق عليهم، ونوفر لهم أفضل تعليم ممكن، وإنما المشكلة محصورة في استمرار وجود زوجة الأب معنا في المسكن نفسه، وما يترتب على ذلك من نزاعات ومشكلات لا تنتهي!
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ علية حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك -أختنا الكريمة- في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يصلح الأحوال، ويؤلف بين القلوب، ويجنبكم أسباب الشقاق والنزاع، وردا على استشارتك أقول مستعينا بالله تعالى.
من خلال ما ذكرت، يظهر أن المشكلة ليست حادثة عابرة أو سوء تفاهم مؤقت، وإنما حالة مزمنة استمرت نحو اثنتي عشرة سنة، مع محاولات متكررة للإصلاح والصبر والتغاضي، دون الوصول إلى نتيجة مستقرة، وفي مثل هذه الحالات لا يكون البحث عن حلول عملية تقطع أسباب النزاع مذموما، بل قد يكون مطلوبا شرعا وعقلا.
لا حرج عليك وعلى إخوتك أن تطلبوا من أبيكم توفير سكن مستقل له ولزوجته، إذا كنتم ترون أن السكن المشترك أصبح سببا لمشاحنات مستمرة، وأضرار نفسية متكررة، بشرط أن يكون الطلب بأدب واحترام ودون إساءة أو عقوق؛ فالمقصود ليس التفريق بين الأب وزوجته وأبنائه منها، وإنما تقليل أسباب الاحتكاك التي تؤدي إلى النزاع، ويمكن أن تعرضوا عليه مساعدة مقطوعة في إيجار السكن الخاص به.
كثير من المشكلات الأسرية المشابهة يكون حلها العملي في تقليل الاحتكاك المباشر؛ لأن بعض الأشخاص قد يصعب التوافق بينهم مهما بذلوا من محاولات.
ليس هناك إثم عليكم بمجرد الاعتراض على استمرار الوضع الحالي، إذا كان اعتراضكم قائما على دفع الضرر وطلب الإصلاح، لا على الظلم أو التعدي؛ فالإنسان ليس مطالبا شرعا بأن يعيش في خصومات يومية لا تنتهي، إذا وجدت وسائل مشروعة للتخفيف منها.
إذا كان البناء الذي تسكنون فيه قد تم من أموالكم أنتم وإخوتكم، فهذه نقطة مهمة من الناحية الحقوقية؛ لأن من أنفق على البناء يملك حقه فيه بحسب ما تم الاتفاق عليه، وبحسب الأنظمة والقوانين المرعية.
مجرد ملكية الأب للأرض لا تعني بالضرورة أن السكن المبني يصير ملكا له، ولا أن يفقد الباني حقه في الانتفاع بما بناه، لكن هذه المسائل التفصيلية قد تحتاج إلى مراجعة جهة شرعية أو قانونية مختصة بحسب طبيعة الملكية والاتفاقات الموجودة.
يظهر من كلامك أن المشكلة ليست في إخوتكم الصغار من الزوجة الأخرى، بل يبدو أن الخلاف محصور في العلاقة مع زوجة الأب، بدليل أنكم مستعدون للإنفاق على إخوتكم ورعايتهم وتعليمهم، وهذا يدل على أن الدافع ليس الكراهية المجردة، وإنما البحث عن بيئة أكثر هدوءا واستقرارا.
أما قولك: "هل نأثم لو أدخلنا أطرافا بسبب رفض أبي أن يؤجر لها بيتا؟" فلا حرج عليكم، ولا تأثمون في الاستعانة بأطراف لأجل الصلح من الأقارب العقلاء، أو أهل الحكمة، أو من لهم كلمة مسموعة عند الوالد، بل إن الله تعالى أمر بالإصلاح بين الناس كما قال سبحانه: {لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس}، ولكن ينبغي أن يكون الهدف إيجاد حل، لا جمع الأنصار أو تأليب الناس على أحد.
استمرار هذه المشكلة لنحو اثنتي عشرة سنة دليل على أن الحل الأمثل هو أن يكون والدكم في سكن مستقل عنكم، ولكن لا تجعلوا الحل الوحيد المقبول عندكم هو خروج زوجة الأب من المنزل؛ لأن الوالد قد يرى أن هذا غير ممكن ماليا أو أسريا أو نفسيا، وأنتم تعلمون أن حق الوالد عليكم عظيم، فنوصيكم بوضع بدائل مثل:
• تقسيم السكن بصورة تقلل الاحتكاك، هذا إن أمكن ذلك.
• تنظيم المرافق المشتركة كالمطبخ والحمام، وإن أمكن إعادة تصميم السكن فذلك حل أيضا.
• ضعوا قواعد واضحة للتعامل.
• استعينوا بعد الله بوسيط أسري يحترمه الجميع.
• ابحثوا عن أي شقة سكنية مستقلة تكون في حدود قدرة والدكم المالية، ويستحب أن تعينوه بمبلغ من قيمة الإيجار شهريا.
نسأل الله أن يشرح صدر والدكم للحل الأصلح، وأن يجمع شمل الأسرة على المودة والرحمة، وأن يرفع عنكم أسباب النزاع والضيق، إنه سميع مجيب.