السؤال
السلام عليكم.
أنا طالب في كلية طب الأسنان، كنت دائما متفوقا في سنوات دراستي ما قبل الجامعة، وكنت أحرز العلامة الكاملة في الامتحان، ولكن بدخولي الكلية أصبحت أخطئ في أسئلة تافهة لا يخطئ فيها أحد، وأنسى معلومات سهلة، وهذا يمنعني من أن أكون من الأوائل، وأصبحت أشعر بالعجز كي ألحق بهم، رغم كونهم ليسوا عباقرة، وقد حاولت أن أجد حلا.
أصبحت أذاكر أكثر، ولكن رغم ذلك هم متفوقون بخطوة، وهذا محبط جدا بالنسبة لي، خاصة أنني أتمنى أن أكون متميزا في مجالي، أريد حلا.
وجزاكم الله خيرا.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك -أخي الفاضل- في استشارة إسلام ويب، وأسأل الله أن يوفقنا وإياك لصالح القول والعمل.
بداية: من المهم أن تدرك أن ما تمر به ليس مجرد مشكلة دراسية عابرة، بل تجربة يواجهها كثير من الطلاب المتفوقين عند انتقالهم من المرحلة المدرسية إلى الكليات التطبيقية والطبية تحديدا؛ فشعورك بكثرة الأخطاء، أو النسيان، لا يعني أنك فقدت قدراتك، أو أنك أصبحت أقل ذكاء من زملائك، كما لا يعني أن طموحك في التميز بمجال طب الأسنان أصبح بعيد المنال، بل قد تكون هذه المرحلة فرصة لإعادة بناء أسلوبك في التعلم على أسس أكثر نضجا وفاعلية.
أخي الكريم: لقد اعتدت خلال سنوات الدراسة السابقة على تحقيق أعلى الدرجات، وربما العلامة الكاملة في كثير من الاختبارات، وهذا النجاح المتكرر جعلك تربط بين قيمتك الذاتية وبين التفوق المطلق؛ لذلك كان من الطبيعي أن تشعر بصدمة عندما دخلت الكلية، ووجدت نفسك تخطئ في بعض الأسئلة البسيطة، أو تنسى معلومات تعرفها جيدا؛ فالمشكلة هنا ليست فقط فقدان بعض الدرجات، بل اهتزاز الصورة الذهنية التي اعتدت أن تراها عن نفسك كطالب متفوق دائما.
لذلك -أخي الغالي- هناك بعض الأمور تحتاج إلى توضيح، حتى تصبح على وعي بما يحدث لك، وكيف تتعامل معه:
أولا: اختلاف بيئة المنافسة: حيث ينبغي أن تعلم أن الكليات الطبية تختلف كثيرا عن المدرسة؛ ففي المدرسة قد يكون الطالب المتفوق متقدما بفارق كبير على معظم زملائه، أما في كلية طب الأسنان فغالبية الطلاب المقبولين كانوا من المتفوقين أصلا في مراحلهم السابقة.
ولذلك فإن المقارنة التي كنت تعتمدها سابقا لم تعد صحيحة؛ فعدم حصولك على المركز الأول لا يعني تراجع مستواك، بل قد يعني أنك أصبحت ضمن مجموعة قوية ومتقاربة جدا في القدرات والإنجازات.
ثانيا: طبيعة الأخطاء التي تقع فيها: الأخطاء التي تصفها بأنها "تافهة" لا تعني بالضرورة أنك لا تعرف المعلومة؛ فهناك فرق بين الجهل بالمعلومة، وبين عدم القدرة على استدعائها في الوقت المناسب، لذلك فالمشكلة قد تكون في آلية الاسترجاع الذهني، وليس في المعرفة نفسها.
ثالثا: ضغط الدراسة ليس دائما الحل: فمن الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن زيادة ساعات الدراسة ستؤدي بالضرورة إلى نتائج أفضل؛ ولكن أحيانا يؤدي الإرهاق الذهني، وتراكم المعلومات إلى ضعف التركيز، وكثرة النسيان؛ ولهذا فإن السؤال الأهم ليس: كم ساعة تدرس؟ بل: كيف تدرس؟
كثير من الطلاب يقضون ساعات طويلة في القراءة، وإعادة مراجعة المحاضرات، فيشعرون أنهم أتقنوا المادة، لكنهم يكتشفون أثناء الاختبار أن المعلومات لم تثبت بالشكل المطلوب، والسبب: أن القراءة المتكررة تمنح شعورا زائفا بالإتقان، أما الأسلوب الأكثر فاعلية فهو الاسترجاع النشط، هو أن تغلق الكتاب، وتحاول استدعاء المعلومات من ذاكرتك وشرحها، أو كتابتها دون الرجوع لمصدرها، هذه الطريقة أكثر صعوبة لكنها من أفضل وسائل تثبيت المعلومات.
كما أنصحك بالتكرار المتباعد، فهو يعد من أنجح أساليب التعلم في كافة التخصصات، خصوصا العلمية والتطبيقية كالطب، حيث تتم مراجعة المعلومات على فترات زمنية متباعدة ومنظمة بدلا من مراجعتها دفعة واحدة؛ مما يساعد على ترسيخها في الذاكرة طويلة المدى.
رابعا: التركيز المفرط على ترتيبك بين زملائك:
من الطبيعي أن تسعى للتميز، لكن عندما يصبح هدفك الأساسي هو التفوق على الآخرين؛ فإن ذلك يتحول إلى مصدر دائم للضغط النفسي، فسيظل هناك دائما من يسبقك بدرجة، أو يحقق نتيجة أفضل في اختبار معين؛ لذلك من الأفضل أن تجعل معيار النجاح الحقيقي هو تطورك الشخصي، وأن تسأل نفسك:
- هل أصبحت أفضل من السابق؟
- هل فهمي أعمق؟
- هل أخطائي أقل؟
- وهل مهاراتي العملية في تحسن؟
فهذه المقارنات تساعدك على معرفة مستواك بصدق وشفافية، وتصرفك عن الانشغال المستمر بمقارنة نفسك بالآخرين.
ومن المفيد كذلك أن تحلل أخطاءك بعد كل اختبار بصورة منهجية، فتصنفها إلى أخطاء ناتجة عن النسيان، أو سوء الفهم، أو التسرع، أو التوتر، أو سوء إدارة الوقت، ومع مرور الوقت ستكتشف النمط المتكرر الذي يسبب معظم خسارتك للدرجات؛ وبذلك يصبح علاجه أسهل وأكثر دقة.
خامسا: أهمية الراحة والنوم:
لا ينبغي إهمال أثر النوم والراحة الجسدية والنفسية على الأداء الأكاديمي؛ فالذاكرة والتركيز يعتمدان بدرجة كبيرة على النوم الجيد، وكثير من الطلاب يحاولون تعويض القلق بالمزيد من السهر، لكن النتيجة تكون ضعف التركيز، وكثرة الأخطاء في التفاصيل البسيطة، لذلك فإن النوم الكافي جزء أساسي من عملية التعلم، وليس أمرا ثانويا.
أخي الفاضل: يبدو من حديثك أن الإحباط لا يأتي من الأخطاء نفسها، بل من شعورك بأن بعض زملائك يسبقونك بخطوة رغم أنك ترى نفسك قادرا على منافستهم، لكن الحقيقة أن النجاح في طب الأسنان لا يقاس بترتيب جامعي، أو سنة دراسية واحدة؛ فكثير من الأطباء المتميزين لم يكونوا الأوائل على دفعاتهم، وكثير من الأوائل لم يصبحوا بالضرورة الأكثر نجاحا في حياتهم المهنية، ما يصنع الطبيب الناجح هو الاستمرارية، والانضباط، والقدرة على التعلم من الأخطاء، والتطور المستمر، وارتفاع المستوى الأخلاقي، والقمي للمهنة، وكل هذا أنت قادر عليه.
لذلك لا تنظر إلى ما يحدث على أنه دليل على العجز، بل اعتبره إشارة إلى أن الأساليب التي أوصلتك إلى القمة في المدرسة تحتاج إلى تطوير لتناسب المرحلة الجامعية، أنت لا تحتاج بالضرورة إلى مزيد من ساعات الدراسة، بل إلى دراسة أكثر ذكاء، ونظرة أكثر واقعية لنفسك، وفصل قيمتك الشخصية عن ترتيبك الأكاديمي، وإذا فعلت ذلك فستستعيد ثقتك بنفسك -بإذن الله-، وقد تحقق مستوى من التميز أعمق وأهم من مجرد الحصول على العلامة الكاملة.
أخيرا: لا تنس جانبك الإيماني؛ فالمحافظة على الصلاة، والإكثار من الدعاء، وقراءة القرآن، وحسن الصلة بالله تعالى، كلها مصادر عظيمة للطمأنينة والثبات النفسي، وتمنح الإنسان قدرة أكبر على مواجهة الضغوط، والاستمرار في طريق النجاح.
وفقك الله ويسر أمرك وبارك فيك.