السؤال
السلام عليكم.
أنا شخص أريد حفظ كتاب الله، لكني كثير الشجار مع أبي وأمي، وأصبحت أخاف العقوق.
نحن دائما نتشاجر لأسباب تافهة؛ فهم يروني عديم الأهلية، ولا أمتلك صفة واحدة جيدة، ويقارنوني بإخوتي الكبار، ويستمرون في استصغارهم لي بسبب أن إخوتي في كليات أفضل مني، وهم أفضل في كل شيء، فأصبحت أريد الدفاع عن نفسي بالكلام، فأصبحت كثير الشجار.
لا أعلم إن كان هذا من عقوق أهلي، ولكن حياتي أصبحت مدمرة، ولم يعد لدي أصدقاء، كما أن هناك تأخيرا في الرزق بشكل واضح، وحياتي كلها مشاكل، على الرغم من أنني أحاول دائما التقرب من الله، ومن أهلي، وأن أتحسن، ولكن بعد فترة من الوقت أعود مجددا.
أخاف من أن شجاري يمنعني من حفظ كتاب الله؛ لأني أتشاجر مع عائلتي بلا قصد، وأشعر أنه لا جدوى من حفظ كتاب الله بجانب الشجار، وأنه السبب في كل هذه المشاكل في حياتي.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ Ahmed حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
حفظك الله، وشرح صدرك، وبارك في حرصك على القرآن الكريم، وجعلك من أهله وخاصته.
أكثر ما أعجبني في رسالتك ليس شكواك من المشكلات، وإنما خوفك من العقوق، وخوفك من أن تكون خصومتك مع والديك سببا في حرمانك من حفظ كتاب الله تعالى، وهذه المشاعر تدل على حياة القلب، وأنك ما زلت تراجع نفسك وتحاسبها، وتسأل عن رضا الله تعالى، وهذه علامة خير، فاحمد الله عليها.
أخي الحبيب: من المهم أن تعلم أن ما تمر به من خلافات مع والديك لا يعني بالضرورة أنك عاق لهما؛ فالعقوق ليس مجرد وقوع خلاف، أو نقاش، أو شعور بالضيق، وإنما هو التعدي على حق الوالدين بالإساءة، والاحتقار، والتأفف، والتعمد في أذيتهما، أو رفع الصوت عليهما بغير حق.
لكن في المقابل، لا شك أن كثرة الشجار والجدال تجر الإنسان أحيانا إلى كلمات يندم عليها، ولذلك كان من الحكمة أن تقف مع نفسك وقفة صادقة قبل أن تتفاقم الأمور.
ومن خلال رسالتك أشعر أن جزءا من المشكلة يعود إلى شعورك المستمر بالمقارنة مع إخوتك، وأنك تسمع من والديك ما يفهم منه التقليل من شأنك، أو استصغارك، وهذا أمر مؤلم بلا شك، خاصة في مرحلة يحتاج فيها الشاب إلى التقدير، والثقة، والدعم.
لكن هنا أريد أن ألفت انتباهك إلى أمر مهم: لا تجعل دفاعك عن نفسك يتحول إلى خصومة دائمة مع والديك؛ فليس كل كلمة تحتاج إلى رد، وليس كل مقارنة تحتاج إلى معركة، وأحيانا يكون أعظم الانتصار أن تترك الجدل وتمضي في بناء نفسك.
وتأمل قول الله تعالى: ﴿وقضىٰ ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا﴾ [الإسراء:23]، ثم قال بعدها: ﴿فلا تقل لهما أف﴾، فنهى الله تعالى عن أدنى كلمة تضجر؛ لعظم حقهما.
ومع ذلك تأمل أيضا أن الله تعالى أمر بالإحسان إلى الوالدين حتى لو بلغا من الشدة مبلغا عظيما، فقال سبحانه: ﴿وإن جاهداك علىٰ أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا﴾ [لقمان:15].
فإذا كان الله تعالى أمر بصحبتهما بالمعروف عند الاختلاف في أعظم قضية وهي التوحيد، فما بالك بالخلافات اليومية، والمقارنات، والكلمات الجارحة؟
أما ربطك بين تأخر بعض أمور الرزق، أو تعسر الحياة، وبين هذه الخلافات: فربما يكون لبعض الذنوب أثرها في حياة الإنسان، لكن لا ينبغي أن تجزم بأن كل ما تعيشه سببه هذا الأمر وحده؛ فالحياة دار ابتلاء، وقد يتأخر الرزق لحكمة، وقد يبتلى الإنسان ليعود إلى الله تعالى أكثر.
وأريد أن أطمئنك لأمر مهم جدا: وهو ألا تجعل الشيطان يقنعك أنه لا فائدة من حفظ القرآن مع شجارك مع أهلك، بل بالعكس تماما، أنت أحوج ما تكون إلى القرآن الآن؛ فالقرآن ليس جائزة تعطى للكاملين، بل هو دواء للمجاهدين لأنفسهم، والمقصرين الذين يريدون الإصلاح، ولو انتظرت حتى تصبح حياتك مثالية فلن تبدأ، ابدأ بحفظ القرآن ليعينك على إصلاح نفسك، لا بعد إصلاحها.
ومن أجمل ما قيل: "من ظن أنه سيصلح نفسه أولا ثم يقبل على القرآن فقد أخطأ الطريق، بل بالقرآن يصلح نفسه"، وأوصيك ببعض الخطوات العملية:
• إذا بدأ النقاش يحتد مع والديك، فدرب نفسك على تأخير الرد عشر ثوان قبل الكلام.
• لا تحاول إثبات أنك أفضل من إخوتك، أو الدفاع عن نفسك في كل مرة؛ فالأعمال والإنجازات هي التي تتكلم في النهاية.
• اجعل لك وردا ثابتا من حفظ القرآن ولو نصف صفحة يوميا، لا تنقطع عنه مهما حصل.
• إذا أخطأت في حق والديك فبادر بالاعتذار؛ فالاعتذار لا ينقص من قدرك بل يرفعه.
• أكثر من الأعمال التي تكسب قلبيهما؛ كخدمتهما، وقضاء حوائجهما، ومبادرتهما بالكلام الطيب.
• توقف عن مقارنة نفسك بإخوتك؛ فالله لم يخلق الناس نسخا متطابقة، ولكل إنسان طريقه، وقدراته، ورزقه.
• ابحث عن صحبة صالحة، أو حلقة قرآن؛ فإن الوحدة، وكثرة الجلوس مع النفس تزيد من الأفكار السلبية.
وأخيرا -أخي الكريم-، أرى في رسالتك شابا يريد الخير، ويحب القرآن، ويخاف من العقوق، ويجاهد نفسه رغم تعثره، وهذه كلها بشائر طيبة.
فلا تيأس من نفسك، ولا تقل: ما الفائدة من حفظ القرآن، بل قل: أنا أحتاج القرآن أكثر من أي وقت مضى، وأبشر بقول النبي ﷺ: الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران متفق عليه، فامض في طريق الحفظ، وأكثر من الدعاء: اللهم أصلح قلبي، وأصلح علاقتي بوالدي، واجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري.
نسأل الله تعالى أن يؤلف بينك وبين والديك، وأن يرزقك برهما، وأن يفتح عليك في حفظ كتابه، وأن يجعل القرآن سببا في صلاح دينك ودنياك وآخرتك.