حائرة بين الإقدام على الاختبار أو تأجيله، فما توجيهكم لي؟

0 0

السؤال

السلام عليكم.

أنا طالبة في الصف الثالث من المرحلة الثانوية، وامتحاناتي بعد أسبوع، واعذروني إن كان سؤالي تافها، فمنذ بداية السنة وأنا أشعر بقلة التوفيق، فهل هذا جهل مني؟

تراكمت الدروس علي مدة شهر أو شهرين، وأنا أعترف بتقصيري عن عمد، ومع ذلك كنت أحاول دائما ألا أقصر في عملي، ولكن بسبب الظروف الصحية والنفسية التي لم تساعدني لأعطي كل ما لدي، وفي الحقيقة أنا لست قادرة على تحديد هل أستحق ما أتمنى مع هذا التقصير أم لا؟

بقي أسبوع على الامتحانات، وسأختبر وأنجح -بإذن الله- ولكن بدون إتقان، وهدفي هو المعدل، وكلية معينة، لذلك أفكر في تأجيل السنة، وقد صليت صلاة الاستخارة للتأجيل، ولكن القرار صعب جدا، وليس عندي الجرأة في أن أمشي في الإجراءات لمعرفة إذا كانت ستتيسر أم لا؟ ولا أعرف أحدا أكبر مني عنده خبرة فأستشيره.

فهل يمكن أن أصلي صلاة الاستخارة لإكمال السنة نفسها؟ بمعنى أن أدعو إن كان خيرا لي أن أكمل السنة بأن تتيسر الدراسة لي، ولا أبادر بإجراء التأجيل، ودائما ما يقال لي: سواء أجلت أو أكملت في الحالتين فالنتيجة مكتوبة لي، وسأحصل على نفس المعدل، لذلك أحتاج لتوضيح ونصيحة حيال هذا الأمر؛ لأنه قرار مصيري، وأنا مشتتة جدا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ نور حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

وصلتنا رسالتك -ابنتي الكريمة-، وقرأناها بعناية واهتمام، وأول ما يطيب لنا أن نقوله لك: سؤالك ليس تافها أبدا، وصاحبة السؤال التافه لا تبحث عن فتوى الاستخارة، ولا تسأل عن التقصير، والاستحقاق، فهذه أسئلة من يريد أن يسير بموافقة الله، لا بمجرد الهوى، أو الضغط، وهذا في حد ذاته توفيق، وعلامة خير.

فهمنا من رسالتك أنك تعانين من ثلاثة محاور في آن واحد: ضغط امتحانات لا تفصلك عنها سوى أيام، وقرار صعب بين إكمال السنة أو تأجيلها، وأسئلة روحية عميقة حول التوفيق، والاستحقاق، والاستخارة، وسنحاول أن نعالج كل جانب منها -بإذن الله-.

أولا: الشعور بقلة التوفيق ليس بالضرورة دليلا على جهل أو غفلة، بل أحيانا يكون نداء لطيفا من الله سبحانه يدعوك فيه للرجوع إليه، وتجديد العهد معه، ونحمد الله أنك تحملين هذا الشعور؛ لأن الذي لا يشعر بقلة توفيقه لا يبحث عن أسبابها، ولا يسعى لتغييرها، وأما ما مررت به من ظروف صحية ونفسية، فتلك أعذار حقيقية يعلمها ربك قبل أن تعلميها أنت، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إذا مرض العبد، أو سافر، كتب له ما كان يعمل مقيما صحيحا) رواه البخاري، واعترافك الصادق بالتقصير في أولى الشهور هو بذاته بداية الإصلاح، لا دليل انهيار.

ثانيا: سألت سؤالا عميقا: هل أستحق ما أتمناه مع هذا التقصير؟ ومفهوم الاستحقاق في الإسلام لا يقوم على الكمال، بل على السعي الصادق المقرون بالتوكل، قال الله تعالى: ﴿وأن ليۡس للۡإنسـٰن إلا ما سعىٰ﴾ (النجم: 39)، والمطلوب منك في هذه المرحلة ليس أن تكوني قد أحسنت في كل لحظة مضت، بل أن تبذلي ما في وسعك الآن، وتتوكلي على ربك في ما بعده؛ فمن لجأ إلى الله صادقا بعد تقصير فقد أتى بابه الصحيح.

ثالثا: الإكمال أم التأجيل؟ هذا هو جوهر سؤالك، وأدق محاوره، وثمة نقطة أساسية في رسالتك تقولين فيها: إنك لا تملكين الجرأة على الاستفسار عن إجراءات التأجيل، وهذا بالتحديد ما يعطل قرارك، ويضاعف حيرتك؛ لأنك تحملين وطأة خيار لا تملكين بعد معلوماته الكاملة.

نصيحتنا: اذهبي أو اتصلي للاستفسار عن إمكانية التأجيل من الناحية الإجرائية فحسب؛ فمجرد السؤال لا يلزمك بشيء، لكنه يضعك على أرض صلبة من المعلومات، لا على رمال الوهم والخوف، فإن اتضح أن التأجيل غير ممكن الآن بحكم الإجراءات، فقد رفعت الحيرة من نفسها، وأصبح الطريق واحدا: أكملي هذا الأسبوع بكل ما تملكين من عزم وتوكل، وإن كان التأجيل ممكنا، فحينئذ أمامك خياران حقيقيان تستخيرين الله فيهما بحرية وهدوء.

رابعا: سألت: هل يجوز لي أن أستخير لإكمال السنة أم لا فقط للتأجيل؟

والجواب: نعم، وبكل يقين، فهذا هو الأصل في الاستخارة، فقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم-: (يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن) رواه البخاري، ولم يقيدها بأمور دون أخرى، ويمكنك أن تستخيري الله في كل خيار على حدة، وتقولي: "اللهم إن كان إكمال هذه السنة خيرا لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فيسره لي، وإن كان التأجيل خيرا فيسره لي"، ثم انتبهي لما ييسر الله لك فعلا في الواقع من أبواب مفتوحة، وأبواب مغلقة، فإن الاستخارة ليست انتظار رؤية في المنام فحسب، بل هي صدق اللجوء إلى الله، ثم الانتباه لما ييسره.

وأما أن تكوني استخرت للتأجيل، ثم وجدت نفسك مترددة، فهذا لا يعني أن الإكمال ليس خيرا، بل قد يعني أن الله يدعوك لمزيد من التأمل والاستفسار الفعلي قبل أن تبني قرارك.

خامسا: قولك: في الحالتين نفس النتيجة، هذه المقولة صحيحة من حيث الإيمان بالقدر، لكن فهمها الخاطئ يعطل العمل والإرادة، والقدر لا يسير بمعزل عن الأسباب، بل يسير بها وفيها، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحتجم ويتداوى ويرسل الجيوش ويضع الخطط، مع كمال إيمانه بالقضاء والقدر، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا) رواه الترمذي وصححه ابن حبان، والطير تغدو: أي تخرج وتسعى أولا ثم يرزقها الله، فالسعي جزء من التوكل لا نقيضه، والفرق بين أن تكملي السنة بجهد حقيقي هذا الأسبوع، وبين أن تؤجليها لتعودي بتحضير أعمق، هذا الفرق حقيقي ومؤثر، وهو من الأسباب التي يأذن الله بها ويجري بها قدره.

سادسا: ماذا تفعلين في هذا الأسبوع أيا كان قرارك؟
إن اخترت الإكمال، فمن الأمور التي تعينك -بإذن الله- أن تركزي على أهم أبواب كل مادة، دون محاولة استيعاب كل شيء في أسبوع واحد؛ فالتعمق في المحاور الأساسية خير من التشتت في الكل، وأن تصوني نومك وصحتك؛ لأن الإرهاق يضعف الذاكرة أكثر مما يفيدها، وأن تبدئي كل جلسة دراسية بدعاء صادق من القلب؛ فاللجوء إلى الله في اللحظة الصعبة يفتح من الأبواب ما لا تفتحه ساعات الجلوس وحدها.

وإن اخترت التأجيل، وتيسرت إجراءاته، فلا تفعليه هربا من الخوف وحده، بل فعلي خطة دراسية واضحة، وهدفا محددا تعودين من أجله.

ونختم بقول الخليفة الحكيم أبي جعفر المنصور، الذي يلخص حال كل من يملك الرأي ويفتقر إلى الخطوة:
إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة ... فإن فساد الرأي أن تترددا

وقال الله تعالى: ﴿وعسىٰٓ أن تكۡرهوا شيۡـٔٗا وهو خيۡرٞ لكمۡۖ وعسىٰٓ أن تحبوا شيۡـئا وهو شر لكمۡۚ وٱلله يعۡلم وأنتمۡ لا تعۡلمون﴾ (البقرة: 216) ربك يعلم من طويتك ما لا تعلمينه أنت، وقرارك الصادق المبني على الاستخارة والاستشارة، والأخذ بالأسباب هو بعينه ما يرضاه الله منك، فتوكلي عليه وامضي.

نسأل الله أن ييسر أمرك، وأن يشرح صدرك، وأن يهديك سواء السبيل.

مواد ذات صلة

الاستشارات