كيف أفرق بين الابتلاء والعقوبة في ما يصيبني في الحياة؟

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أستحلفك بالله أن تجيبني، لقد أصبحت أعاني من الشك، فدائما ما أظن أن أي أمر سيئ يحدث لي هو غضب من الله، أو عقوبة منه بسبب ذنوبي، وأنني أستحق ما يصيبني، خاصة أنني ما زلت مصرة على ذنب معين.

فكيف أفرق بين ما إذا كان ما يحدث لي غضبا وعقوبة من الله، أم أنه ابتلاء، أو أمر آخر؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ سمية .. حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبا بك -ابنتنا العزيزة- في استشارات إسلام ويب، ونشكر لك تواصلك بالموقع، واستشعارك لتقصيرك، وإحساسك بأنك مذنبة، وهذا في حقيقة الأمر من الأمور الإيجابية في شخصيتك، ومن دلائل حسن إسلامك؛ فإن الإنسان العاقل هو الإنسان الذي يدرك أنه ليس كاملا، وأنه لا بد أن يصدر منه الذنب والخطيئة؛ فقد قال الرسول ﷺ: كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون.

فكل واحد منا محل للذنب والتقصير، ولا يجوز للإنسان أن يزكي نفسه ويبرئها من الذنوب والآثام مطلقا؛ فقد قال سبحانه وتعالى: {فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى} [النجم: 32].

ومن السلوك الجميل -أيتها البنت الكريمة- أن يعود الإنسان إلى نفسه باللوم والتأنيب حينما يصاب بشيء من المكروهات؛ فإن ما يصيبنا من الأقدار المكروهة إنما هو بسبب أعمالنا، كما قال الله تعالى: {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك} [النساء: 79]، أي أن الإنسان هو الذي يتسبب فيما يصيبه من المكروهات بسبب عمله، هذا هو غالب الحال.

وإصلاح الأمر سهل يسير، لا يحتاج إلى كثير من القلق، أو الاضطراب، أو الوسوسة، ونحو ذلك من السلوكيات الضارة؛ إنما المطلوب هو المسارعة والمبادرة إلى التوبة، وباب التوبة مفتوح، وهذا فضل عظيم من الله، ورحمة كبيرة أنه فتح باب التوبة لا يغلقه على الإنسان حتى تبلغ الروح الحلقوم؛ فمطلوب من الإنسان العاقل أن يبادر إلى التوبة، والله تعالى قد أمر جميع المؤمنين بالتوبة فقال: {وتوبوا إلى الله جميعا أيه المؤمنون لعلكم تفلحون} [النور: 31].

فما دام هذا الشعور يبعث الإنسان على إصلاح حاله وإصلاح نفسه؛ فإنه شعور جميل محبوب إلى الله تعالى، أما إذا خرج الأمر عن حده وحاول الشيطان أن يستغل هذا الشعور لدى الإنسان ليوقعه في أنواع من اليأس والقنوط من رحمة الله تعالى، والإحباط، والعجز، والتقييد عن الانبعاث للعمل الصالح؛ فإن هذا من وساوس الشيطان، والواجب على الإنسان أن يحذره؛ لأن الله تعالى يقول: {يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان} [النور: 21].

اجعلي هذا الميزان أمام عينيك دائما؛ أن تستشعري أنك إذا أصبت بمصيبة أنه بسبب ذنب، ولكن المطلوب هو التوبة والاستغفار، والتوبة قد تكون توبة عامة إذا كان الإنسان لا يدري ما هو الذنب الذي ارتكبه، كما كان الرسول ﷺ يعلمنا أن نقول: وأستغفرك لما لا أعلم، إنك أنت علام الغيوب.

ففي أكثر من حديث علمنا ﷺ أن نستغفر الله تعالى من الذنوب التي لا نعلمها، ومن ذلك: اللهم اغفر لي جدي، وهزلي، وخطئي، وعمدي، وكل ذلك عندي فأكثري من التوبة والاستغفار، هذا هو المطلوب، وليس المطلوب أن يفحص الإنسان هل هذه المكروهات وقعت بسبب ذنب أم لا؛ فإن هذا لا يؤثر في الأمر كثيرا.

وليس معنى كلامنا هذا أن كل مكروه إنما يصاب به الإنسان بسبب ذنوبه فقط؛ فإن الله تعالى يبتلي الأنبياء، وهم خير الناس، وقد عصمهم من الذنوب والخطايا، ومع ذلك يبتليهم بأنواع من الشدائد والمكروهات، بل قد تضاعف في حقهم الشدائد ليرفع الله تعالى درجاتهم، وهكذا غيرهم من الناس؛ فإن الله يبتلي أولياءه وأحبابه، كما قال النبي الكريم ﷺ: أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل، فالأمثل، فالله تعالى له الحكمة البالغة في اختبار عباده وابتلائهم.

ولكن الإنسان لا ينبغي له أن ينصرف ابتداء إلى أن ما أصابه إنما هو رفعة لدرجاته، وذلك لأنه قد يصيبه ذلك بالغرور وإحسان الظن بالنفس، مع أنه مطلوب منه أن يسيء الظن بنفسه ليتوجه إلى ربه بالتوبة والاستغفار والإكثار من ذلك.

نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يوفقك لكل خير.

مواد ذات صلة

الاستشارات