السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا فتاة لم أتزوج بعد، وقد تقدم شاب لخطبتي، وجلسنا جلسة الرؤية الشرعية، وكان بيننا توافق في كثير من الأمور ووجهات النظر، ولكن لم يتم الأمر.
وفي الفترة نفسها التي تقدم فيها الشاب -أي لمدة أسبوعين تقريبا- لازمتني استحاضة متصلة بالدورة الشهرية على غير عادتي، حتى إنني لم أدرك في بادئ الأمر أنها استحاضة، ولم تنقطع هذه الاستحاضة إلا في اليوم نفسه الذي انتهى فيه أمر الخطبة وعدم إتمامها.
مع العلم أنني، قبل هذا الأمر، كنت قد هممت بقراءة سورة البقرة يوميا، وأن الحيضة التي جاءت بعد ذلك كانت كعادتي السابقة من حيث عدد الأيام وعدم اتصالها باستحاضة.
فهل هناك تفسير ديني لما حدث؟
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ هند حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك -أختنا الكريمة- في شبكة إسلام ويب، وردا على استشارتك أقول مستعينا بالله تعالى:
اعلمي -بارك الله فيك- أن الزواج أمر مقدر ومكتوب لكل إنسان من قبل أن يخلقه الله تعالى، كما قال تعالى: {إنا كل شيء خلقناه بقدر}، وقال عليه الصلاة والسلام: قدر الله مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء، ولما خلق الله القلم قال له: اكتب، قال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، وقال عليه الصلاة والسلام: كل شيء بقضاء وقدر حتى العجز والكيس، والكيس الفطنة.
من كان من نصيبك فسيأتي في الوقت الذي قدره الله تعالى، ولا يستطيع أحد أن يمنع ذلك مهما بذل من جهود؛ لأن قدر الله هو النافذ.
قد يتأخر زواج الإنسان لحكمة يعلمها الله سبحانه، فينبغي على من تأخر زواجها أو يتراجع كل من يتقدم لها ولم يتم الأمر، ألا تتضجر ولا تتسخط، بل عليها أن تكون راضية بقدر الله سبحانه، ويؤجر الإنسان على ذلك، والابتلاء دائما يكون على قدر البلاء، فإن عظم البلاء عظم الجزاء، والابتلاء عنوان محبة الله للعبد، يقول عليه الصلاة والسلام: إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط. فعليك بالرضا بقضاء الله وقدره، وحذار من التسخط، وإلا فالجزاء من جنس العمل.
انصراف الخطاب قد يكون فيه خير لك، فالإنسان قد يحب شيئا وهو شر له، لكنه لا يعلم، وقد يكره شيئا ويكون خيرا له، لكنه لا يعلم، كما قال تعالى: {وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون}.
ما ذكرته من نزول الاستحاضة في الفترة التي تقدم فيها هذا الشاب، ثم انقطاعها عند انتهاء موضوع الخطبة، فلا يظهر من الناحية الشرعية وجود دلالة دينية خاصة أو علامة غيبية يمكن الجزم بها من هذا التزامن.
فالأصل أن الاستحاضة حالة طبية أو اضطراب في نزول الدم، قد تنشأ بسبب تغيرات هرمونية أو نفسية أو بدنية، وقد تتأثر أحيانا بالضغوط النفسية والانفعالات القوية، سواء كانت مشاعر فرح أو قلق أو ترقب، وفترة الخطبة، وما يرافقها من تفكير وانتظار وتقييم للمستقبل، قد تكون سببا في نوع من التوتر النفسي الذي ينعكس على الدورة الشهرية لدى بعض النساء.
أما الربط بين حدوث الاستحاضة وبين هذا الخاطب بعينه، أو اعتبارها إشارة من الله إلى صلاح الأمر أو فساده؛ فليس لدينا في الشرع ما يدل على ذلك، فالأحداث الكونية والعارضة لا يجوز تفسيرها على أنها رسائل إلهية خاصة إلا بدليل واضح، وقد حذر العلماء من التوسع في ربط الوقائع اليومية بالإشارات والعلامات الغيبية؛ لأن ذلك يفتح باب الظنون والتكلفات.
لا يظهر أن لهمك بقراءة سورة البقرة علاقة مباشرة بحدوث الاستحاضة، فسورة البقرة من أعظم سور القرآن بركة ونفعا، وقراءتها عبادة جليلة يرجى بها الخير والطمأنينة وحفظ البيت من الشياطين، لكن لا يصح أن يظن أن ما حدث من اضطراب في الدورة كان بسببها أو بسبب الشروع في قراءتها.
وقد يكون ما وقع مجرد توافق زمني لا أكثر؛ إذ كثيرا ما تحدث أمور متزامنة، فيظن الإنسان أن بينهما علاقة سببية، مع أن الواقع قد يكون غير ذلك.
لذلك ننصحك بما يأتي:
1. عدم الانشغال بالبحث عن دلالات خفية لهذا الحدث أو غيره من الأحداث، واحذري من أن تبني على ذلك أحكاما مستقبلية.
2. إذا تكررت الاستحاضة في المستقبل، فقومي بمراجعة طبيبة مختصة للاطمئنان على السبب الطبي.
3- نوصيك دائما بصلاة الاستخارة في حال تقدم أي شاب لخطبتك، فكونك تفوضين أمرك إلى الله تعالى ليختار لك الخير فيه راحة وطمأنينة للنفس؛ وذلك لأن اختيار الله للعبد خير من اختيار العبد لنفسه.
نسأل الله تعالى أن يرزقك الزوج الصالح الذي يسعدك في هذه الحياة ويعينك على إقامة دينك، وأن ييسر لك الخير ويبارك لك فيه حيث كان، ونسعد بتواصلك في حال أن استجد أي جديد.